# # # #
   
 
 
[ 19.05.2009 ]
العلاقات السّودانيّة المصريّة في ظلّ اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع ـ محمد جلال أحمد هاشم


نُشر بجريدة أجراس الحرّيّة في الفترة ما بين مارس ـ مايو 2009م ثمّ منعته الرّقابة

محمّد جلال أحمد هاشم

(1)

مقدّمة
هذه سلسلة مقالات نتناول فيها العلاقات السّودانيّة المصريّة، نحاول فيها تقديم صورة لخطاب مغاير للمألوف في مجال هذه العلاقة. ومع أنّ المقالات تتناول بالتّحليل الفترة التي أعقبت توقيع اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع، إلاّ أنّنا مع ذلك نتوسّع في التّقديم لها باستعراض للعلاقات في سياقها التّاريخي. ومن المتوقّع لمثل هذا الاستعراض البانورامي أن يكون عموميّاً. ولهذا تحرّينا فيه تناول ما يُعلم في هذا الأمر بالضّرورة. وقد يبدو للبعض أنّنا كما لو كنّا نسعى لتقويض أركان العلاقات بين السّودان ومصر؛ ولكن لا شيء أبعد من هذا. ما نحاوله هو نقد مبضعي لها، بغية تقويمها وإعادة بنائها بما يحفظ للشّعبين أكرم العلاقات، لا علاقة الشّقيق الأكبرBig Brother بالشّقيق الأصغر، وهو وصف قدح به أستاذنا محجوب محمّد صالح في معرض تناوله لطبيعة العلاقات بين البلدين (راجع: محجوب محمّد صالح، "العلاقات السّودانيّة المصريّة وإشكالات الإدراك المتبادل" في: أسامة الغزالي [تحرير]، العلاقات المصريّة السّودانيّة بين الماضي والحاضر والمستقبل، القاهرة: مركز البحوث والدّراسات الإستراتيجيّة، 1990، ص.ص. 141-152). وكما يقول الأمين عبد اللطيف (كان سفير السّودان في القاهرة إبّان الدّيموقراطيّة الثّالثة)، إنّ "مصر لم تحاول فهم الشّخصيّة السّودانيّة واكتفت بالصّورة التي رسمتها ولم تغيّرها مع الزّمن". فالسّودان بالنّسبة لمصر لم يعدُ تاريخيّاً كونه معبراً لنهر النّيل، وبالتّالي استمدّ أهمّيّته لدوره الحيوي في مجال أمن مصر المائي؛ ولهذا لم يكتسب السّودان أيّ بعد إنساني، أي لم يشكّل السّودانيّون أيّ أهمّيّة في المخيّلة المصريّة، لا رسميّاً ولا شعبيّاً (الأمين عبد اللطيف، العلاقات السّودانيّة المصريّة ورؤية مستقبليّة، الخرطوم: مركز محمّد عمر بشير، 1986، ص.ص. 175-178). وكان هذا بالضّبط ما دفع بمحمّد عبد الرّحيم (مؤرّخ السّودان) لتدبيج الرّدود ضدّ كتاب قام بتأليفه محمّد حسين هيكل تحت عنوان عشرة أيّام في السّودان، تناول فيه السّودان بما لم يقبله السّودانيّون (محمّد عبد الرّحيم، رفع النّداء في دفع الافتراء، الخرطوم، 1953). وكان ممّا أخذه محمّد عبد الرّحيم على هيكل اعتماد الأخير على روايات أناس لم يعيشوا في السّودان غير بضع سنوات، وكانوا يُصنّفون، كما كانو يُصنِّفون أنفسهم، على أنّهم أجانب، دون أن يكلّف الكاتب نفسه مشقّة سؤال أهل البلد عن بلدهم وعن موقفهم إزاء القضايا المثارة في الكتاب؛ وكلّ هذا في عشرة أيّام غير كافية للقيام بسياحة متعجّلة في بلد قارّة. وقد علت العديد من الأصوات المشفقة من قبل سودانيّين يؤمنون ليس فقط بوحدة وادي النّيل، بل بحقّ مصر الأصيل في السّودان، وذلك تحذيراً لمصر من أن تفق السّودان جرّاء جهلها القاتل بالسّودان وبالسّودانيّين. ففي حوالي العقد الرّابع من القرن العشرين تكلّم التّيجاني يوسف بشير (مقال بعنوان: "ضرورة الوحدة بين مصر والسّودان" في محمّد عبد الحي وبكري بشير الكتيّابي، التّيجاني يوسف بشير: السّفر الأوّل: الآثار النّثريّة الكاملة، الخرطوم، 1987م، ص. 128)، تكلّم عن تجاهل مصر للسّودان من زاوية الأدب واللغة الأمر الذي يرى أنّه لعب دوراً في تيسير فقدان مصر للسّودان إثر أحداث 1924م قائلاً: "كلّما فكّرّتُ في تعليل ذلك لم أجد ما يشفع لمصر في إفلات ما كان وما لا يزال يتهيّأ لها أن تحقّق فيه أنّ السّودان قطعة من مصر يصحّ فيها ما يصحّ في مصر، ويجري على هذه ما يجري على تلك. ولا ينبغي أن نخادع أنفسنا في نقرير الحقائق، فإنّ ما حصل لم يكن إلاّ نتيجة طبيعيّة لجهل مصر بالسّودان وإغفالها بدأةَ بدءٍ توثيق العلائق الأدبيّة والرّوحيّة بينهما، حتّى استغلّ سادتنا الإنجليز جهل مصر الفاضح بنا فوطّدوا مصالحهم في السّودان وانتزعوا منه كلّ ما يدلّ على مصر، إلاّ علماً ما تكاد تحسّ له بوجود. ولو قد كان لمصر أن تصرف عنايتها بعد عام 1924م إلى العلائق الأدبيّة وتنميتها لما اتّسعت الهُوّة الفاصلة بين القطرين إلى هذا المدى". والآن بعد ما يزيد عن 70 عاماً منذ أن كتب التّيجاني يوسف بشير ذلك، لا يزال الوضع على ما عليه من تجاهل مصر للسّودان وللسّودانيّين، إلاّ فيما فيه مصلحة مصر المباشرة من حيث استغلالها لطيبة بعض السّودانيّين (وتُقرأ كلمة "طيبة" هذه على أنّها "غيبة" وهي تخريج خاص بنا يجري على وزن الكلمة الأولى في معنى الغباء). فقد طالعنا التّقي محمّد عثمان ("مصر والسّودان .. ساعتان لا تكفي"، جريدة الصّحافة، 17/2/2009م، ص. 3 ـ ولتلاحظوا غفلة تقديم اسم مصر على السّودان في العنوان، وهي غفلة لا يمكن لأيّ صحيفة مصريّة أن تتسامح فيه)، فيه نعى على مصر عدم إيلائها الاهتمام اللازم بقضايا السّودان، ومنها وضعه الحرج حاليّاً إلاّ عندما تتهدّد مصالحها بصورة مباشرة. وفي مقاله يتّكئ التّقي على بعض الأوراق المقدّمة في ندوة العلاقات المصريّة السّودانيّة بين الماضي والحاضر والمستقبل، القاهرة: مركز البحوث والدّراسات الإستراتيجيّة، 1990، والتي تعرّضت لمظاهر تجاهل مصر حكومةً وشعباً للسّودان والسّودانيّين. وفي هذا يشير عنوان مقاله لهذا التّجاهل، حيث لم يتمكّن الرّئيس المصري من تخصيص زمن أكثر من السّاعتين الخاطفتين لتسجيل زيارة خاطفة للسّودان.
وعلى هذا ستكون الفرضيّة الأساسيّة التي سوف نقوم بمناقشتها في هذه المقالات أنّ هذه النّظرة، وهذا المنهج (منهج الشّقيق الأكبر) هي التي تسود المنظور المصري، رسميّاً وشعبيّاً، في العلاقات بين البلدين. وتمتدّ الفرضيّة لتزعم بأنّ هناك سودانيّون قد تمّ تدجينهم وطنيّاً بحيث أصبح ولاؤهم الوطني لمصر بأكثر ممّا هو للسّودان. وتنتقل الفرضيّة إلى بعد آخر لتزعم بأنّ أنظمة الحكم العسكريّة والدّيكتاتوريّة في السّودان وإن كانت دائماً الأفضل لمصر، الأسوأ للسّودان، إلاّ أنّها تقوم على رصيد طبقي كبير بين المثقّفين السّودانيّين الذي يتماهى وعيهم الوطني بالوطنيّة المصريّة. وعلى هذا صارت مصر في أوضع أفضل من السّودان في تسخير العلاقات بينهما لمصلحتها وإن كان ذلك ضدّ مصالح السّودان. وبما أنّ هذا الخطّ غير الوطني لم يعد ممكناً له الاستمرار لأنّه يقوم اساساً على استغفال الشّعب السّودان، فإنّه قد آن الأوان لهدم الأسس المفهوميّة لبنيان تلك العلاقات وذلك لتشييد علاقات جديدة تكون بنّاءة بما فيه فائد الشّعبين خاصّة وشعوب المنطقة عامّة.
إذن فإلى مفاصل الحوار والنّقاش في هذه المقالات.

استعراض مرحلة ما قبل اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع
نهر النّيل والعلاقات الأزليّة
نتّفق مع صديقنا بركات موسى الحوّاتي (قراءة جديدة في العلاقات السّودانيّة المصريّة، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1997م) في أنّ العلاقات السّودانيّة المصريّة أزليّة ما في ذلك شكّ، وذلك لأنّها تقوم على أرضيّة صلبة وحقيقيّة، ألا وهي المجاورة؛ فضلاً عن ذلك هناك رابط مادّي آخر ألا وهو نهر النّيل الذي يشدّ القطرين بعضها لبعض. ولكن ما يقال هنا لا ينكفئ على الحالة المصريّة فقط، بل يشمل ما يزيد على العشر دول أخرى. فعلاقات السّودان مع جميع جيرانه أزليّة دونما شكّ؛ إذ ليس في مقدور السّودان أن يخلع جيرته لأيّ واحدة منهنّ، حتّى لو قطع العلاقات معها.
ومع كلّ هذا فالعلاقات السّودانيّة المصريّة لها خصوصيّة لا نجدها في أيٍّ من العلاقات الأزليّة الأخرى. هذه الخصوصيّة مردّها في رأينا إلى حقيقة تاريخيّة لا يمكن أن يغالط فيها إثنان، ألا وهي أنّ العلاقات بين السّودان ومصر ظلّت تقوم عبر التّاريخ، أي عبر السّبع ألف سنة الأخيرة، على الاحتلال، احتلال مصر للسّودان. فبخلاف السّبعة عقود في القرن السّابع قبل الميلادي، والتي تمثّل فترة حكم الأسرة الخامسة والعشرين، وذلك عندما قام السّودانيّون باحتلال مصر وحكمها، ظلّت مصر، وإلى أن نال السّودان استقلاله في عام 1956م، تحتلّ السّودان من وقتٍ لآخر، ولفترات قد تطول وقد تقصر. فاحتلال مصر للسّودان بدأ من زمن يسبق ما قيام الدّولة الفرعونيّة القديمة وعصر الأسرات (3100-2181 ق.م.) نزولاً إلى عصر الدّولة الفرعونيّة الوسيطة (2050-1552 ق.م.). إلاّ أنّ استعمار مصر بطريقة قويّة لبلاد السّودان الحالي يمكن أن يؤرّخ لها بعصر الأسرة الثّانية عشرة بدءاً من فرعونها سنوسرت الأوّل إلى سنوسرت الثّالث (1855-1874 ق.م.). كما يمكن القول بأنّ السّودان تمصّر تماماً، جرّاء الاستعمار المصري، مع بدء الدّولة الحديثة (1567-1085 ق.م.)، عندما قام أحمس (مؤسس الأسرة الثّامنة عشرة 1567-1320) بغزو، ومن ثمّ السّيطرة على، جميع بلاد النّوبة. وتعتبر الأسرة الثّامنة عشرة بأنّها الأخطر أثراً والأكثر توسّعا في بلاد النّوبة، حيث واصل ملوكّها، بدءاً بمؤسّس الدّولة مروراً بأمنحتب الثّالث، وبعده أمنحتب الرّابع (إخناتون) ثمّ توت عنخ أمون، ببناء المعابد، فضلاً عن سلسلة مراكزها العسكريّة، التّجاريّة والدينيّة التي تقع من حلفا جنوباً: بوهين، دبيرا غرب (حلفا)، عمارة غرب، صاي، صادنقا (بالسّكّوت)، صُلب، سيسبي (بالمحس)، دوكّي قيل بكرمة وكَُوّا (كوّة على الضّفة الشّرقيّة من دنقلا العرضي).
من جانبهم ظلّ حلم احتلال مصر والسّيطرة عليها عبر الاحتلال يداعب خيال الحكّام السّودانيّين منذ زمن دولة كوش (3000-2500 ق.م.)، وهو ما دفع بالدّولة المصريّة إلى ردّ الصّاع صاعين، احتلالاً واستعماراً. وقد تمخّضت كلّ تلك المحاولات السّودانيّة عن احتلال السّودان لمصر في القرن السّابع قبل الميلاد على عهد الأسرة الخامسة والعشرين، والذي استمرّ لحوالي الثّماني عقود. ثمّ استمرّ الحلم، حلم احتلال السّودان لمصر، إلى ما بعد ذلك. ففي عام 593 ق.م. (أوّل عهد إسبالتّا) تحكي لنا الأخبار بأنّ ملك كوش بصدد شنّ حملة من عاصمته صاي بشمال الصّودان ضدّ مصر، فكان أن سارعت الأخيرة لإحباط ذلك بتوجيه حملة بسامتيك من مدينة ألفنتين بأسوان. وفي زمن مصر الرّومانيّة تواصلت حملات السّودانيّين ممثّلين في مملكة مروي ضدّ نظام الحكم الرّوماني بمصر.

الاستعمار المصري الحديث للسّودان
وعندما دخلت مصر في دار الإسلام والعروبة، واجهت أوّل ما واجهت دولة السّودان النّصرانيّة، وسعت إلى إخضاعها بالاحتلال، ثمّ لجأت إلى الصّلح عندما عجزت عن ذلك. من جانبهم واصل السّودانيّون، ممثّلين في النّوبة والبجا، في تسيير حملاتهم لردّ عدوان مصر، الأمر الذي أدّى إلى أن تزيد مصر من قوّة تلك المحاولات بمحاولات أخرى أقوى منها. وبالفعل انهارت دولة النّوبة النّصرانيّة بأثر مباشر من التّدخّلات المصريّة في الشّأن السّوداني. وحتّى عندما دخل السّودان في دار الإسلام والعروبة لم تتوقّف مصر عن حلم احتلال السّودان، فكانت حملة إسماعيل باشا التي دشّنت حقبة احتلال مصر للسّودان في العصر الحديث (1821م ـ 1885م).
وقد دفع الاستعمار المصري، جرّاء ما عُرف عنه من ظلم وبطش غير إنسانيّين، الشّعب السّوداني إلى الثّورة فكانت دولة المهديّة؛ ليس ذلك فحسب، بل إنّ دولة المهديّة سعت بدورها إلى احتلال مصر وذلك عندما أنفذ الخليفة عبدالله التّعايشي حملة عبد الرّحمن النّجومي في عام 1892م. بانهزام تلك الحملة شرعت مصر (تشاركها بريطانيا) في إنفاذ مشروعها التّاريخي، ألا وهو احتلالها للسّودان، والذي حدث بالفعل في عام 1899م، وبذلك بدء عهد الحكم الاستعماري المصري البريطاني، ولهذا جاءت تسميته بالاستعمار الثّنائي.
ويذهب بعض المؤرّخين من عصبة "المبرّراتيّة" لتجميل صورة الاستعمار المصري للسّودان، وذلك بعدم إطلاق تسمية "استعمار" عليه. ليس هذا فحسب، فهو ليس مجرّد "الحكم التّركي المصري"، أو "الحكم الثّنائي"، بل "الفتح التّركي المصري" عند بعضهم. ومنهم من يزعم بأنّ مصر لم تكن تملك أمر نفسها إبّان الاستعمار الثّنائي. ولكن تبقى الحقيقة في أنّ مصر تكفّلت بجميع تكاليف تلك الحملة ليس لأنّها كانت مرغمة، بل لأنّ استعمارها واحتلالها للسّودان يحقّق لها هدفاً تاريخيّاً. فبجانب تأمين تدفّق مياه النّيل عبر السّيطرة على السّودان كدولة منبع وممر، بم أصبحت مصر إبّان الاستعمار الثّنائي تطالب بتبعيّة السّودان لها إن لم يكن ذلك بفضل مشاركتها الفاعلة والنّافذة في احتلاله؟ وقد ظلّت مصر طيلة عهود التّاريخ تنظر إلى السّودان بوصفه الفِناء الخلفي لبيتها؛ وللعلم هذه ليست ألفاظنا، بل ذات الألفاظ التي استخدمها الرّئيس المصري أنور السّادات في وصف علاقة بلاده بالسّودان ونظر الحكومة المصريّة لوضع السّودان .

(2)

مثلّث حلايب على البحر الأحمر ومثلّث سرّة شمال حلفا

كانت لمصر على الدّوام أطماعها التّوسّعيّة في السّودان. وعلى هذا ظلّت تتدخّل في الشّأن السّوداني، بدءاً من انتخابات الحكم الذّاتي عام 1953م إلى ما بعد الاستقلال. وعندما تمّ لها إعادة استعمار السّودان بالاشتراك مع بريطانيا، قامت برسم حدودها بما يسمح لها بابتلاع الإقليم النّوبي الذي يحتدّ بأسوان، وهو ما ظلّت عليه الحدود عبر التّاريخ. ولا غرو في ذلك، إذ ظلّت مصر تنظر إلى السّودان على أنّه ينبغي أن يكون تابعاً لها بنفس عقليّة فرنسا الاستعماريّة إزاء الجزائر. ويعتبر مثلّث حلايب على البحر الأحمر ومثلّث سرّة شمال حلفا نموذجاً لمخطّطات مصر التّوسّعيّة والاحتلاليّة إزاء السّودان. وفي الحقيقة ما ينطبق على أحدهما من النّاحيّة القانونيّة ينطبق على الآخر. وقد برزت مشكلة انكماش سيادة الدّوليّة السّودانيّة على مثلّث حلايب إبّان عمليّة الإحصاء السّكاني الأخير الذي أجري في عام 2008م. فقد رفضت مصر أن تسمح للسّودان بدخول مثلّث حلايب بحجّة مصريّته وعدم سودانيّته (راجع: مديحة عبدالله، "تمصير مصر لحلايب والتّعداد السّكّاني"، جريدة الأيّام، 3/7/2008م، العدد 9149). ونشيد هنا بمقالها الرّصين الذي قرع جرس الإنذار لافتاً إلى خطّة مصر في تمصير حلايب عبر سياسة الأمر الواقع، فضلاً عن مرافعتها القويّة ودحضها للحجج المصريّة.

في هذا الصّدد نورد عدّة ملاحظات في غاية الأهمّيّة. أوّلها يتعلّق بالحدود التّاريخيّة بين السّودان ومصر، والتي تشير العديد من المصادر والخرائط العثمانيّة والمصريّة وغيرها إلى أنّها كانت في خط 24 درجة في أسوان، وليس جنوبها بأيّ حال من الأحوال، وذلك حتّى تاريخ توقيع اتّفاقيّة الحكم الثّنائي عام 1899م. وثاني هذه الملاحظات يتعلّق باتّفاقيّة 1899م التي حدّدت خطّ عرض 22 درجة كحدّ إداري وليس كخطّ حدود فاصل بين البلدين. ولهذا كان في مقدور الإداريّين في كلا البلدين المستعمرَين أن يعيدوا فيه النّظر في هاتين المنطقتين باعتبار السّكّان الذين لا ترتبط معايشهم بالسّودان فحسب، بل وإحساسهم بالهويّة يشير بوضوح إلى أنّهم سودانيّون. وقبل أن ينال السّودان استقلاله قامت الدّولتان المستعمرتان (وهما مصر وبريطانيا) بإجراء انتخابات الحكم الذّاتي وتقرير المصير وقد شملت مثلّث حلايب ومثلّث سرّة على أنّهما ضمن الحدود السّياديّة للسّودان. وتكمن أهمّيّة تلك الانتخابات في أنّه لا يحقّ لمصر التّحجّج بما ورد في اتّفاقيّة الحكم الثّنائي لعام 1899م، فبمجرّد التّوقيع على اتّفاقيّة الحكم الذّاتي عام 1953م تكون اتّفاقيّة عام 1899م قد ألغيت رسميّاً. وبما أنّ مثلثّي حلايب وسرّة يردان في اتّفاقيّة الحكم الذّاتي على أنّها ضمن حدود السّودان، عليه لا عبرة بما يرد في اتّفاقيّة مجبوبة. وليس أدلّ على هذا من حقيقة أنّ سكّان مثلّث سرّة الذي تأثّروا بقيام السّدّ العالي عام 1964م قد قامت مصر نفسها بإعادة توطينهم في حلفا الجديدة، أي في السّودان وليس في مصر؛ فلو كانت فعلاً تنظر إليهم على أنّهم مصريّون لكان من المفترض أن تقوم بإعادة توطينهم في كوم أمبو شمال أسوان أسوةً بباقي النّوبيّين الذي حكم عليهم ترسيم الحدود الجائر أن يعيشوا داخل أسوار السّيادة المصريّة. ولكان جمال محمّد أحمد (وهو من قرية سرّة) عندها قد أصبح وزيراّ لخارجيّة مصر وليس السّودان. ولمن يريدون الاستزادة في هذا الخصوص، ولمن يريدون التّحقّق من هذه الخرائط، ننصحهم بمراجعة ما كتبه معاذ محمّد أحمد تنقو في كتابه الحجّة والمرجع: نزاع الحدود بين السّودان ومصر: مثلّث حلايب ونتوء وادي حلفا في ضوء القانون الدّولي، الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنّشر، 2005م. ولمن ليس لهم طاقة في قراءة الكتب ننصحهم بمراجعة بحثه الوضيء: "نزاع الحدود السّوداني المصري بين التّاريخ والقانون الدّولي"، مجلّة دراسات إستراتيجيّة، العدد 10، 1997، ص.ص. 3-55.

إبّان حكومة عبدالله خليل قامت مصر بإدخال قوّاتها إلى مثلّث حلايب، فما كان من رئيس الوزراء، أي عبدالله خليل، إلاّ أن أمر الجيش بمواجهة القوّات المصريّة بوصفها قوّات غازية. عندها انسحبت مصر من مثلّث حلايب صاغرة، دون أن تفقد الأمل في إعادة احتلاله. وعندما قامت حرب 1967م ضدّ إسرائيل تمّ توقيع "اتّفاقيّة الدّفاع المشترك"، والتي كانت بدافع التّعاطف مع مصر ضدّ العدوان الإسرائيلي، سُمح للقوّات المصريّة بالدّخول إلى الأراضي السّودانيّة، ومن ضمنها مثلّث حلايب ومثلّث سرّة، تحسّباً لأيّ هجوم إسرائيلي من الخلف. وهذه من ضمن الحجج المصريّة في إبراز حقّها في هاتين المنطقتين بافتراض أنّها ومن حينها لا تزال إلى الآن تحتلّ هذين المثلّثين. وهذه حجّة مردود، ذلك لأنّ دخول القوّات المصريّة إلى السّودان وفق تلك الاتّفاقيّة لم يكن وقفاً على هاتين المنطقتين، بل تعدّاهما إلى مناطق أخرى مثل جبيت بشرق السّودان وجبل الأولياء جنوب الخرطوم. فلو أنّ الدّخول إلى تلك المناطق وفق منطوق الاتّفاقيّة يعطي مصر حقّاً مكتسباً أو أصيلاً، لأعطاها نفس الحقّ على باقي المناطق التي دخلت إليها القوّات المصريّة.

والحقيقة أنّ مصر لا تزال تحتلّ هاتين المنطقتين لا لشيء إلاّ لتناوم نواطير السّودان عن ثعالبة مصر. ليس هذا فحسب، بل قمت في النّصف الأوّل من شهر ديسمبر من عام 2008م بزيارة إلى حلفا القديمة، تفقّدتُ فيها حال حدودنا، فإذا بالقوّات المصريّة وفق قراءة جهاز تحديد المواقع العولمي (GPS) Global Positioning System، ترابط جنوب خطّ 22 درجة بعدّة كيلومترات، دع عنك مثلّث سرّة. ولكم حزّ في نفس الكثير من السّودانيّين أن يرَوا رجلاً مثل عمر محمّد الطّيّب، كان رئيساً لجهاز الأمن القومي ونائباً لرئيس الجمهوريّة في العهد المايوي يصدر كتابه بعنوان: الأمن القومي لوادي النّيل وانعكاساته في المجال العسكري، القاهرة: النّهار للطّباعة والنّشر، 1998م، فترد فيه خريطة البلدين، فإذا بالسّودان وقد تمّ تجريده من حلايب ومن مثلّث سرّة شمال حلفا. وربّما يقول البعض بأنّ هذا مفهوم طالما كان الكتاب قوام بحث تقدّم به لكلّيّة ناصر العسكريّة بمصر لنيل درجة الدّكتوراة؛ فأعجب بها من رسالة دكتوراة وزنت عنده حقوق بلده التّاريخيّة، هذا البلد الذي رفع من شأنه فإذا به مسئول أمنه الأوّل ونائب رئيس جمهوريّته لعددٍ من السّنين.

وليس حال صحافتنا بأحسن من حال ساستنا فيما يتعلّق بموضوع حلايب. فعندما رفضت السّلطات المصريّة لحكومة السّودان بإجراء التّعداد السّكّاني داخل مثلّث حلايب، سمعنا وقرأنا عجبا في الصّحف. فمثلاً في تقرير عن كتبه عثمان ميرغني في جريدة السّوداني (7/1/2008) وصف المثلّث بالمتنازع عليه بين السّودان ومصر، الأمر الذي جعل أحد الباحثين يكتب مصحّحاً ومذكّراً بسودانيّة حلايب، مقدّماً الدّليل وراء الدّليل ممّا كان ينبغي أن يكون مادّة من موادّ التّعليم في المدارس السّودانيّة (صلاح محمّد إبراهيم، "حول مثلّث حلايب"، جريدة السّوداني، 4/3/2008م). وفي جريدة الأيّام (12/3/2008م) كتب محمّد رشاد (صاحب عمود "اقتصاديّات") عن نفس الموضوع وبروح انهزاميّة لا تقلّ عن عثمان ميرغني: "تواترت الأنباء من شمال شرق السّودان عن إعاقة السّلطات المصريّة لفرق التّعداد السّكّاني أداء أعمالها بمثلّث حلايب وهو ما كان متوقّعاً [كذا!] فلم يصل البلدان لحلّ نهائي لهذا النّزاع [كذا!] الذي يطلّ برأسه بين الفينة والأخرى وكنّا قد تساءلنا إبّان فترة تبديل العملة السّودانيّة مؤخّراً إن كانت وفود بنك السّودان قد جابت المثلّث وبدّلت الدّينار السّوداني بالجنيه إلاّ أنّ أحداً لم يرد على تساؤلنا، إلاّ أنّنا نأمل أن تتفهّم السّلطات المصريّة هذا الظّرف السّوداني الدّقيق وهي قد وقّعت مع السّودان اتّفاق الحرّيّات الأربع إضافة إلى جعل مثلّث حلايب منطقة تكامل اقتصادي سوداني مصري كخطوة أولى نحو تكامل اقتصادي كامل [كذا بهذه الرّكاكة] بين جنوب الوادي وشماله في وقت يفتح فيه السّودان أبوابه للاستثمار المصري الذي تضاعف في الأعوام الأخيرة مع ترحيب بالعمالة المصريّة المتزايدة هذه الأيّام." ثمّ لا يكتفي الأستاذ رشاد بهذا، فيذهب إلى أبعد منه في خطوة لا يمكن للمصري أن يفهم منها غير قلّة حيلة السّودانيّين إزاء مخطّطات مصر لتمصير المثلّث السّودان، فضلاً عن عدم نيّتهم وانعدام قدرتهم لاجتراح أيّ موقف وطني حاسم من قبيل ذلك الذي صدع به من قبل عبدالله خليل. إذ يقول: "إنّ اكتمال التّعداد السّكّاني السّوداني للسّودانيّين بمثلّث حلايب [كذا!] له أهمّيته الاقتصاديّة إضافة لأهمّيته الانتخابيّة لانتخابات سودانيّة مصريّة تحدّد مستقبل السّودان [كذا!]". ثمّ يبلغ الانبراش درجة لا يمكن للمرء أن يحتملها، وذلك عندما يقول: "نقول هذا رغم الأنباء التي تتحدّث عن عن إجراءات مصريّة دؤوبة وحثيثة تهدف لتمصير تدرّجي للمثلّث عن طريق الإغراء الخدمي للسّكّان واستخراج شهادات ميلاد مصريّة للمواليد ونشر للأطلس المصري الذي يضمّ المثلّث بجمهوريّة مصر العربيّة وإجراءات أخرى تهدف لواقع جديد حتّى لو تطلّب الأمر استفتاء للسّكّان يختارون مصر بدلاً عن السّودان".

ولا نغادر موقعهنا هذا دون أن نُشير إلى ما صدع به القيادي بجبهة الشّرق موسى محمّد أحمد، والذي اشترط لدى لقائه للسّفير المصري بالخرطوم اعتراف مصر بسودانيّة حلايب كشرط للتّكامل بين مصر والسّودان، هذا مع أنّه استدرك قائلاً بأنّه لا يريد لموضوع حلايب أن يكون "خميرة عكننة" بين البلدين (جريدة أجراس الحرّيّة، 24/8/2008م). ومع أنّ هذا القول وحده يشهد له بالشّجاعة إزاء الخَوَر الذى يعتيري سياسيّينا في هذه المسألة بالتّحديد، إلاّ أنّ هذا الاستدراك، أثار تساؤلات عند البعض عمّا إذا كانت المحافظة على حسن العلاقات مع الدّول التي تحتلّ أراضينا أعلى قيمةً من منهاضة احتلالها للأرض.

(3)

مياه النّيل والعلاقات المشتركة

تمّ إبرام أوّل اتّفاق فيما يتعلّق بمياه النّيل من حيث العلاقة بين السّودان ومصر في عام 1929م، أي بين دولتين مستعمرتين للسّودان، هما مصر وبريطانيا. شملت تلك الاتّفاقيّة أيضاً دول شرق أفريقيا، والتي كانت بدورها تقع تحت الاستعمار البريطاني باستثناء إثيوبيا التي، وإن لم تكن مستعمرةً بريطانيّة، إلاّ أنّها كانت تقع تحت النّفوذ البريطاني. ألزمت تلك الاتّفاقيّة دول المنبع بألاّ تقيم أيّ منشآت على النّهر أو على منبعه دون استشارة السّودان ومصر. وعلى هذا جرت تعلية خزّان أسوان. بعد ذلك بثلاثين عاماّ، أي في عام 1959م، وعندما فكّرت مصر بإنشاء السّدّ العالي، سعت لتحقيق وضع جديد، فكانت اتّفاقيّة مياه النّيل.

بموجب هذه الاتّفاقيّة أصبحت مصر تتمتّع بنصيب الأسد في استخدام مياه النّيل (55 مليار متر مكعّب). فجانباً عن أنّ الاتّفاقيّة قد حدّدت المحاصصة بين السّودان ومصر فقط، فق جرى خصم فاقد التبخّر النّاجم عن بحيرة السّدّ العالي من مجمل مقدار المياه، ثمّ بعد ذلك تقاسمت الدّولتان بينهما ما تبقّى من مياه. لم يزد نصيب السّودان عن 18 مليار متر مكعّب، تستفيد منها مصر بما مقداره 4 مليار متر مكعّب في شكل قرض مائي. لكن المهمّ في تلك الاتّفاقيّة أنّها اعترفت بحق دول حوض النّيل، كما نصّت على ضرورة إنشاء إدارة مشتركة والتي تمخّضت الآن في شكل "مبادرة حوض النّيل".

والآن تطالب دول الحوض بحقّها، والذي قطعاً سوف يكون خصماً ممّا ناله السّودان وممّا نالته مصر. من التي تستدعي التّأمّل في هذا الصّراع أن نجد السّودان يقف مع مصر في مواجهة دول حوض النّيل اتّساقاً مع نظرة غير نقديّة مفادُها أنّ مصالح البلدين في هذا الخصوص متطابقة، وما هي كذلك. إذ ما الذي يمكن أن يجنيه السّودان من تجيير موقفه لصالح جارته مصر غير خسران باقي جيرانه المتشاطئين معه في نهر النّيل؟ ثمّ ما الذي يمكن أن تقدّمه مصر للسّودان مقابل تجيير موقفه لصالحها؟


مشروعات التّكامل بين البلدين

يكتنف مصطلح "التّكامل" الذي يُشار إليه في معرض العلاقات السّودانيّة المصريّة الكثير من الغموض إذا ما أخذناه على المستوى السّياسي. فكما يقول محجوب محمّد صالح (محجوب محمّد صالح، "العلاقات السّودانيّة المصريّة وإشكالات الإدراك المتبادل" في: أسامة الغزالي [تحرير]، العلاقات المصريّة السّودانيّة بين الماضي والحاضر والمستقبل، القاهرة: مركز البحوث والدّراسات الإستراتيجيّة، 1990)، عادةً ما تنهار أيّ مشاريع للتّكامل بمعناه الحقيقي وذلك لانعدام النّدّيّة. ففي ظلّ وضعٍ كهذا تأخذ العلاقات في أحسن حالاته منحى "توازن القوى" بدلاً من أن تأخذ منحى "توازن المصالح". وأيّ اتّفاق ينشا وفق وضعٍ كهذا يعبّر عن تسوية مجيّرة لمصالح الطّرف الأقوى (وهو مصر هنا) لا المصلحة المشتركة. فمصر تنطلق في علاقاته مع السّودان من موقف الذي له حقوق تاريخيّة، والذي يشعر بفارق القوّة المعنويّة، أي الحضاريّة، والقوّة المادّيّة القسريّة، وذلك بحكم أنّها استعمرت السّودان منذ أقدم العصور وإلى عصرنا الرّاهن. وعلى هذا فهي تأتي للتّكامل لتأخذ لا لتعطي. أمّا السّودان، والذي عادةً ما يكون خاضعاً لنظام خكمٍ عسكريٍّ ديكتاتوري، فينظر للتّكامل على أنّه من قبيل إيلاف الدّولة المصريّة القويّة بما يضمن مصلحة النّظام الحاكم، وليس بالضّرورة مصلحة الشّعب السّوداني. ولهذا عادةً ما يُترك المراد تحديداً بالتّكامل للسّياق الذي يتمّ تناول الموضوع فيه، وذلك لأنّ الغايات النّهائيّة من التّكامل وفق الأجندة المصريّة هو ذوبان السّودان في مصر، أو ابتلاع مصر للسّودان بمباركة عدد معتبر من الصّفوة السّودانيّة. ولهذا لاحظ أستاذنا محجوب محمّد صالح قدرة مصر في التّعامل مع الأنظمة العسكريّة الدّيكتاتوريّة بطلاقة فيما يتعلّق بالتّكامل، بينما تتعسّر محاولات مصر التّكامليّة مع أنظمة الحكم الدموقراطي في السّودان، وهي الأنظمة التي يُعوّل على تمثيلها للشّعب السّوداني. ولهذا السّبب نفسه يقول محجوب محمّد صالح بأنّ إعلان السّودان لاستقلاله كان موقفاً مفاجئاً ومخيّباً لمصر لم تتمكّن من ابتلاعه حتّى الآن. فقد كان بمثابة ضربة قاصمة لأطماع مصر التّوسّعيّة.

ولكن، ناحية عمليّة، نلاحظ أنّ مصطلح "التّكامل" عادة ما كان يُطرح في سياق مشاريع اقتصاديّة بعينها، كيفما كان سوء ظنّ بعض السّودانيّن بأهداف مصر السّياسيّة، الخفيّة والمعلنة، من التّكامل. كانت هذه المشاريع تقوم في عمقها التّنفيذي على تدخّل اقتصادي مصري مباشر في السّودان، أي أن تقوم مصر بتمويل إقامة مشاريع اقتصاديّة بعينها، فضلاً عن توفير العمالة والطّاقم الإداري اللازم لها مع وجود ديكوري للسّودان في قمّة الهرم الإداري، وقاعدة عمالة رخيصة في قاعدة الهرم. جاءت أوّل اتّفاقيّة تهدف إلى دفع العلاقات بين السّودان ومصر نحو التّكامل في عام 1971م (إبّان الحكم المايوي العسكري الدّيكتاتوري)، إلاّ أنّه لم تنجم عنها أيّ مؤسّسات تنفيذيّة. ثمّ جاءت الاتّفاقيّة المسمّاة "منهاج العمل السّياسي والتّكامل الاقتصادي بين السّودان ومصر"، والتي وقّعت في 11/2/1982م.

هذه هي الاتّفاقيّة التي بموجبها قامت المشاريع التّالية: مشروع قناة جونقلي، مشروع التّكامل الزّراعي بالرّوصيرص، مشروع التّكامل الإقليمي بين محافظة وادي ومحافظة أسوان، حيث سُمح بالانتقال دون تأشيرات لساكني الإقليمّين، ثمّ هناك بعض المشاريع المتعلّقة بالمياه الجوفيّة، والتي قصدت مصر من ورائها حفر أكبر عدد من هذه الآبار بما من شأنه، ظاهريّاً، القضاء على العطش بنجوع وأرياف السّودان، وحقيقيّاً توفير استخدام السّودانيّين لمياه النّيل بما يعود بالفائدة لمصر. في عام 1985م قامت مصر بتعليق هذه الاتّفاقيّة عند انهيار النّظام المايوي عبر ثورة أبريل الشّعبيّة وما تلا ذلك من قيام نظام حكم ديموقراطي. في عام 1987م قامت حكومة الصّادق المهدي المنتخبة ديموقراطيّاً بتوقيع الاتّفاقيّة التي عُرفت باسم "ميثاق الإخاء" مع مصر، والتي لم تكن أكثر من التّلاعب بالألفاظ والمصطلحات على طريقة الصّادق المهدي في التّخلّص من المآزق، دونما أيّ مردودات واقعيّة وفعليّة. وقد قبلت مصر بتوقيع تلك الاتّفاقيّة مع السّودان بغية الحفاظ على شعرة معاوية ريثما يعيدون الكرّة عند أوّل نظام حكم عسكري يطيح بالحكم الدّيموقراطي، وقد فعلوا حسبما سيرد أدناه.

لكلّ هذا، وفي ظلّ غموض وضبابيّة ما تعنيه كلمة "تكامل" على المستوى السّياسي (وهو المعوّل عليه طالما أنّ القرار في أساسه سياسي)، وجب تناول الموضوع في إطاره النّظري، أي المناظير التي من خلالها ينظر السّوادنيّون للتّكامل والمناظير التي من خلالها ينظر المصريّون للتّكامل. ولنبدأ بالمنظور المصري، ذلك لأنّ التّكامل فيما وردت به التّجارب لا يعدو كونها تدخّلاً مصريّاً في السّودان. سوف نعتمد في استعراضنا للمنظور المصري على ما قاله أسامة غيث (راجع: أسامة غيث، "التّعاون والتّكامل المصري السّوداني: كحدّدات الماضي، ووقائع الحاضر، وقيود الرّؤية المستقبليّة، في: أسامة الغزالي [تحرير]، العلاقات المصريّة السّودانيّة بين الماضي والحاضر والمستقبل، القاهرة: مركز البحوث والدّراسات الإستراتيجيّة، 1990، ص.ص. 249-256)، إذ يورد أربعة سيناريوهات في إطارها تدور العلاقات التّكامليّة بين السّودان ومصر، ثلاثة منها لا تدفع للتّفاؤل، وبالتّالي لا يبقى غير سيناريو واحد هو الذي يمكن أن يدفع [يدفع من؟] للتّفاؤل. والتّساؤل الذي أوردناه بين حاصرتين على قدر كبير من الأهمّيّة، فلينظر فيه النّاظرون!

يبدأ أسامة غيث باستعراض السّيناريوهات الثّلاثة الأولى، وهي التي لا تدفع إلى التّفاؤل. السّيناريو الأوّل منه للتّكامل المصري السّوداني يدور في إطار التّكامل الاقتصادي العربي، والذي بدوره لا يزيد (البيّنات مأخوذة في ثمانينات القرن المنصري) عن 4% من حجم تجارة الدّول العربيّة على المستوى العالمي؛ وبالتّالي وحجم معاملات اقتصاديّة بهذا القدر الضّئيل ليس ممّا يمكن أن يدفع [بمن؟] إلى التّفاؤل. السّيناريو الثّاني للتّكامل المصري السّوداني يدور في إطار التّكامل التّجاري الأفريقي، والذي ليس بأفضل ممّا عليه الحال في الفلك العربي؛ وعلى هذا فهو لا يدفع إلى التّفاؤل. السّيناريو الثّالث للتّكامل المصري السّوداني يدور في إطار عناصر التّنافر والتّضاد الكامنة في بنية المجتمعين المصري من جهة والسّوداني من جهة أخرى؛ وهذا التّنافر لا يدفع إلى التّغاؤل ذلك لأنّه في المرجّح قد يدفع بالدّولتين إلى البحث عن شركاء تكامليّين آخرين. ولهذا يعوّل أسامة غيث على السّيناريو الرّابع، أو ما يسمّيه بالتّكامل الإيجابي، وهو مالسّيناريو الثّالث يدور أيضاً في الإطار المصري السّوداني. تٌرى ما هي ملامح هذا التّكامل الإيجابي الذي من شأنه أن يتجاوز المعوّقات البنيويّة القائمة على الاختلاف والتّنافر بين الشّعبين؟ لا توجد أيّ تفاصيل يمكن من خلالها أن نتلمّس الإجابة على هذا السّؤال. فطبيعة هذا التّكامل الإيجابي كما وردت عند أسامة غيث، وكما ترد عند الكثير من السّياسيّين والباحثين المصريّين النّاشطين في مجال المشاريع التّكامليّة بين السّودان ومصر، غير واضحة بالمرّة، ذلك لأنّها مغلّفة بورق الكلام بطريقة تنبيء بأنّ التّمويه والتّعمية عمليّة مقصودة في ذاتها. فالبرّغم من تحذير أسامة غيث من أن يقوم هذا السّيناريو حسابات التّكاليف والمغانم، إلاّ أنّ ما يمكن أن نخرج به من بين سطور اللغة الإنشائيّة يقودنا إلى شيء شبيه بما اشتملت عليه اتّفاقيّة الحرّيّات الأربعة الموقّعة بين السّودان ومصر في الخامس من أبريل عام 2004م، أي قبل يوم واحد من الذّكرى التّاسعة عشرة لثورة أبريل 1985م، وفق العنوان التّالي بالصّفحة الأولى: السّودان ومصر يوقّعان اتّفاقيّة الحريّات الأربع (جريدة الصّحافة، عدد 3897، بتاريخ الإثنين 15 صفر 1425هـ الموافق 5 أبريل 2004م)، والتي أعطت مصر كلّ شيء بينما لم تعطِ السّودان غير التّبعيّة، وذلك حسبما يرد عنها الحديث لاحقاً. ولكن لا بأس من أن نلاحظ أنّ ما أورده أسامة غيث كان في 1990م والعلاقات بين ثورة الإنقاذ والنّظام المصري على أسوأ ما يكون؛ بينما لم يتجسّد السّيناريو الرّابع في شكل اتّفاقيّة إلاّ بعد ذلك بأربعة عشر عاماً والعلاقات بين نظامي الحكم في البلدين كأحسن ما يكون.

الآن دعونا نستعرض المنظور السّوداني للعلاقات بين السّودان ومصر فيما يتعلّق بالتّكامل، كيفما كان المقصود به. ونُشير إلى قضيّة جوهريّة في هذا الشّأن؛ فبينما تملك مصر رؤية متماسكة إزاء ماضي وراهن ومستقبل علاقاتها بالسّودان، نلاحظ أنّ السّودان لا يملك شيئاً كهذا. فالرّؤية السّودانيّة عبارة عن متغيّر دالّته أنظمة الحكم وأهواؤها إن طيشاً أم رشداً. وليس أدلّ على ذلك من تقديم اسم مصر على السّودان في حال الإشارة إلى العلاقات بينهما (العلاقات المصريّة السّودانيّة) بدلاً عن (العلاقات السّودانيّة المصريّة) دونما منهجيّة أو رويّة. فالبراءة في التّعامل مع أشراك اللغة يُنبيء عن غرارة فكريّة ماحقة لن تودي بصاحبها إلاّ إلى التّهلكة والضّياع. وعليه، سوف نعتمد هنا رؤية بعينها تعبّر عن نظام ثورة الإنقاذ، وفقما ورد عن أحد رموزها العاملين بالسّلك الدّبلوماسي والأكاديمي، وهو خالد فتح الرّحمن (راجع: خالد فتح الرّحمن، "العلاقات المصريّة السّودانيّة ضمن إطار وادي النّيل، مجلّة دراسات إستراتيجيّة، العدد 5، 1996م، ص. 7). يقدّم خالد فتح الرّحمن ثلاثة مقتربات للعلاقات السّودانيّة المصريّة، ونستعرضها من الأخير: المقترب الثّالث هو المقترب التّنسيقي ويشمل دول حوض النّيل؛ ويحمل المقترب الثّاني اسم المقترب التّكاملي ويشمل السّودان وإثيوبيا ومصر؛ أمّا المقترب الأوّل (البرنجي) فهو المقترب الوحدوي (يا ساتر!) والذي يضمّ السّودان ومصر وفق الهويّة العربيّة الإسلاميّة. هنا يفقد مصطلح التّكامل دلالاته السّودانيّة المصريّة ليشمل ما هو أوسع منها؛ وهذا جانب في أزمة دلالة المصطلح.

فإذا أعدنا قراءة ما يقوله خالد فتح الرّحمن مع ما قال به محجوب محمّد صالح أعلاه بخصوص انعدام النّدّية بين البلدين بما يمكن أن يتيح تكاملاً بنّاءً، خرجنا إلى أنّ الوحدة التي ينادي بها خالد فتح الرّحمن لا تعدو كونها اندماجاً للشّعب السّوداني في الشّعب المصري، أو سيطرة الدّولة المصريّة على الأوضاع في السّودان. ثمّ إذا أعدنا قراءة كلّ هذا على ضوء ما قال به أسامة غيث بخصوص عوامل التّنافر والتّضاد بين الشّعبين، إزاء تكاملٍ إيجابي غير واضح المعالم، تمكّنّا من أن نخلص إلى أنّ السّيناريو الرّابع الذي غلّفه لنا الأخير بورق الكلام لا يعدو كونه نفس المقترب الأوّل الذي ينادي به خالد فتح الرّحمن. لكن أين دلالة عوامل التّنافر والاختلاف في كلّ هذا؟ إنّ دلالتها تكمن في انحصار هذه الوحدة الاندماجيّة، أو السّيطرة المصريّة، على شمال السّودان النّيلي دونما عداه من شعوب بادية التّأفرق لوناً ولغةً. ولكن ماذا عن النّوبيّين بأقصى شمال السّودان؟ أوليسوا أفارقة لوناً ولغةً؟ ولكن كم بقي منهم هناك، وكم هاجر منهم إلى ضواحي وأقاصي المعمورة؟ فلم لا يتبع الأقلّون منهم الأكثرين؟

وهنا نختم بسؤال غير بريء: هل كان كلّ هذا تخطيطاً مصريّاً وشركاً نصبوه فوقع فيه ساسةُ السّودان وأعينُهم مفتوحة، أم كان شوقاً سودانيّاً إزاء مصر المؤمّنة سعَوا إليه بأيديهم وأقدامهم؟

وفي الحقيقة لم تزد استثمارات مصر المنفّذة في السّودان، وحتّى عام 2008م، عن 10% من الحجم المخطّط له، وذلك بسبب إحجام المستثمر المصري (أنور شمبال، جريدة السّوداني، 29/3/2008، العدد 854، صفحة 4). ففي إطار التّحضير للملتقى الاستثماري السّوداني المصري الذي انعقد بالخرطوم يوم 1/4/2008م "أجمع خبراء اقتصاديّون وأهل اختصاص أن حجم التّعاون الاقتصادي السّوداني المصري لم يرتقِ إلى مستوى العلاقة الأزليّة بين شعبي البلدين خاصّة وأنّ هناك اتّفاقاً موقّعاً بين البلدين حول الحرّيّات الأربع (التّنقّل، الإقامة، التّملّك، والعمل)، مبدين الأمل أن يكسر القطاع الخاص في البلدين ورجال أعمال حواجز السّياسة والسّياسيّين وتأسيس شركات اقتصاديّة متينة، تقوى على جميع العواصف والدّخول في استثمارات حيثما وجدت الميزة النّسبيّة في أيٍّ من البلدين". ونلاحظ هنا إحجام رأس المال المصري تحديداً عن القيام بأيّ نشاط في السّودان، ورأس المال، على ما يقال عنه من جشع وطمع، يقال عنه أيضاً أنّه جبان، لا يقدم على خطوة ما لم يضمن النّتائج. أمّا عن رأس المال السّوداني ومسألة دخوله في عمليّات استثماريّة في مصر، فحديث نظري الغرض منه الموازنة السّياسيّة الشّفاهيّة فيما يتعلّق باتّفاقيّة الحرّيّات الأربع. ومع كلّ هذا، تدفّقت أفواج إثر أفواج من العمالة المصريّة إلى السّودان، حتّى فاق العدد، حسب بعض التّقديرات، الثّلاثة مليون مصري في فترة لا تزيد عن الثّلاث سنوات. فلماذا؟

(4)

مصر وديموقراطيّات السّودان

كانت مصر، ولا تزال، تقف دائماً بالمرصاد لأيّ نظام حكمٍ ديموقراطي، مفضّلةً بذلك الأنظمة العسكريّة، ولا غرو. فبينما كانت أنظمة الحكم العسكريّة الدّيكتاتوريّة هي الأسوأ للسّودان، كانت الأفضل دائماً لمصر، حيث يسهل التّعامل معها لتمرير سياسات مصر التّوسّعيّة. فمن بين أسباب تسليم عبدالله خليل الحكم لكبار العسكريّين، تخوّفه من صغار الضّبّاط الذين كانت مصر تغذّي أحلامهم ليقوموا بما قام به عبد النّاصر. وعندما قامت ثورة أكتوبر في عام 1964م، سخر منها النّظام المصري ممثّلاً في وزير إعلامها محمّد حسنين هيكل، الذي تهكّم من الشّعب السّوداني. وقد خرجت جماهير الشّعب تعبّر عن غضبها من هذه الإساءات المجّانيّة، فكان أن اعتذرت مصر كما هو متوقّع دائماً. فهي كما لو كانت تتعامل مع السّودانيّين وفق المثل الذي يقول "الغشيم اضربو واعتذر ليهو". وبالفعل قام انقلاب مايو 1969م، وهو انقلاب تحرّى انقلاب 1952م المصري بأسلوب وقع الحافر على الحافر. وليس أدلّ على ذلك من تبنّيه لنفس نظام الحكم الشّمولي القمعي وللنّظام الاشتراكي الممسوخ، بما في ذلك شعارات وحدة، اشتراكيّة ... إلخ، ثمّ باختطاط نظام تعليمي مأخوذ منها تقليداً ومحاكاةً أقرب إلى روح القَرَدَة وأبعد ما تكون من أصالة العلم. وبالتّالي كان من الطّبيعي أن يسعى نظام مايو إلى التّماهي والذّوبان في مصر عبر الاتّحاد معها، ذلك الاتّحاد الكسيح الذي شاركت فيه ليبيا، ولاحقاً سوريا.

في أبريل في عام 1985م قام الشّعب السّوداني بتفجير ثورته الثّالثة، وهي الثّورة الشّعبيّة التي هدّت أركان نظام ديكتاتوري فاسد جثم على صدر الشّعب لستّة عشر عاماً عجافا. وأقلّ ما يمكن أن يقول التّاريخ عن نظام مايو في باب العلاقة مع مصر إنّه كان أقرب إلى العمالة ورهن الإرادة الوطنيّة السّودانيّة. ولهذا من المنطقي أن يتوقّع السّودانيّون من مصر عدم التّرحيب بثورتهم الشّعبيّة. لكن الحقيقة التي يعلم بها الكثيرون هي أنّ مصر لا يمكن أن ترحّب بأيّ ثورة شعبيّة في السّودان بها يبرز السّودانيّون كمعلّمين ثوريّين للشّعوب المجاورة، ومنها شعب مصر المغلوب على أمره لما يزيد عن السّبع ألف سنة، إذ سلخ التّاريخ وهو يعيش تحت نير أشهر نظام مركزي تسلّطي. فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ ثورات السّودان الشّعبيّة عادةً ما يتمخّض عنها نظام حكم ديموقراطي، أمكننا هذا من أن نتخيّل مدى عدم ترحيب مصر بثورات السّودانيّين التي تحيل حكم الأنظمة العسكريّة إلى عهنٍ منفوش.


الإنقاذ ومحاولة اغتيال حسني مبارك

في عام 1989م وقع انقلاب يونيو الذي أسّس لحكم ثورة الإنقاذ التي رادها وقادها الإسلاميّون المنحدرون من قمقم حركة الإخوان المسلمين بالسّودان والتي ظلّ يرأسها الشّيخ حسن التّرابي لعقود. جرى ذلك الانقلاب ضدّ نظام حكم ديموقراطي مهزوز، كما هو العهد بديموقراطيّاتنا التي تفوز فيها البيوتات الطّائفيّة بالأغلبيّة، بالإضافة إلى التّردّد البنيوي في شخصيّة الصّادق المهدي وفشله الذّريع. وبالطّبع كانت مصر أوّل دولة تعترف بالانقلاب حتّى من قبل أن تتبيّن حقيقة من قاموا به. وقد اندهش النّاس لذلك؛ فالانقلابيّون، فيما كان يعلم به أيّ فرد من الشّعب السّوداني، كانوا من حركة الإخوان المسلمين. فكيف لمصر أن تؤيّد الإخوان المسلمين؟ ولكن زال العجب عندما علموا بأنّ مصر كانت حينها تخطّط لانقلاب عسكري يُطيح بالحكم الدّيموقراطي بالسّودان. وعندما عصفت الموسيقى العسكريّة ببرامج الصّباح في يوم الجمعة الحزين ذلك من يوم 30 يونيو 1989م، ذهب الظّنّ، ظنّ السّاذج، بالنّظام المصري إلى أنّ ذلك هو انقلابها ضدّ الحكم الديموقراطي الذي كان ينعم بشرِّه وخيره الشّعب السّوداني.

ولكن إن هي إلاّ شهور معدودات حتّى "عادت حليمة إلى قديمها" وناجزت مصر نظام الإنقاذ العداء. وقد فتحت مصر أبوابها للمعارضة ولجموع الهاربين من نير الدّيكتاتوريّة التي باشر به الإسلاميّون شعبَهم الصّابر المغلوب على أمره كما لو كانوا يحملون له الضّغينة والرّغبة في الانتقام. إذن فقد فتحت مصر أبوابها من باب الكيد للنّظام الإسلامي بالسّودان، ولأسباب أخرى سوف نفصّل فيها لاحقاً. وما كان للإسلاميّين في غمرة نشوتهم بقيام دولة الحقّ والإيمان وصدق المولى لعهده لهم ألاّ يهتبلوا فرصة هزّ أركان دولة الفرعون إذ ناجزتهم العداء من تلقاء نفسها. وبالفعل بادلوها عداءً بعداء، ومؤامرةً بأخرى تفوق سوء الظّنّ. فقد قرّروا بدء إصلاح العالم بمصر، فسعوا إلى تغيير نظام الحكم بها لا استقواءً بإرادة الشّعب المصري، بل باتّباع أسلوب الحشّاشين، أي الاغتيال. ولكن ليس قبل أن تطفح قضيّة حلايب مرّة أخرى إلى السّطح. فقد انقضت السّنوات الثّلاث الأولى من تسعينات القرن العشرين وحكومة الخرطوم تتلاعب بورقة تحرير حلايب. ليس ذلك فحسب، بل استنفرت قوّاتها المسلّحة وقوّات الدّفاع الشّعبي لتفويج الجيوش بغية تحرير مثلّث حلايب من نير الاحتلال المصري وذلك ضمن لوثة تفويج المجاهدين والدّبابين لتحرير جنوب السّودان.

في 16/6/1995م تعرّض الرّئيس المصري إلى محاولة اغتيال كادت أن تنجح بالعاصمة الإثيوبيّة أديس أبابا، وذلك عندما حطّت بها طائرته للمشاركة في مؤتمر القمّة الأفريقيّة. بمجرّد عودته للقاهرة اتّهم الرّئيس المصري نظام الحكم في السّودان بأنّه هو الذي دبّر هذه المحاولة. وفي الحقيقة لم يفعل نظام الحكم بالسّودان أيّ شيء بخلاف اتّباعه لنموذج مصر في تعاملها مع السّودان، ألا وهو نموذج التّآمر بغية تغيير نظام الحكم بما يخدم أغراضها. وعليه، مع كامل رفضنا للتّدخّل في شئون الغير، لا نملك أيّ تعاطف مع النّظام المصري في رفضه للأسلوب الذي اتّبعه معه الإسلاميّون بالسّودان.


العلاقات السّودانيّة المصريّة: من سيّء إلى أحسن

ما كان يمكن للعلاقات بين البلدين أن تسوء إلى أبعد ممّا وصلت إليه في أعقاب اتّهام مصر للسّودان بتدبير محاولة الاغتيال. وقد ساءت بالفعل، ولكن دون أن تبتهل مصر تلك الفرصة لتضييق الخناق على الحكم الإسلامي بالخرطوم. فلماذا ياتُرى، مع أنّه كانت هناك أكثر من دلالة تُشير إلى تورّط نظام الخرطوم؟ يقول محمود عابدين صالح (العلاقات السّودانيّة المصريّة وآفاق تطوّرها، 2004م، ص.ص. 273-4): "في كافّة الأحوال لم يكن من الصّواب أن توقع الحكومة السّودانيّة نفسها في دائرة الاتّهام أو الشّكّ من قريب أو بعيد بتلك المؤامرة التي استهدفت حياة الرّئيس المصري حسني مبارك. كما إنّ التّعامل بشكل أو بآخر لعناصر محسوبة على نظام الإنقاذ دون علم الأجهزة الرّسميّة العليا أمر يحتاج مراجعة ومحاسبة رادعة لنلك العناصر والتي اتّخذت صلاحيّاتها الدّستوريّة بالتّستّر على المشاركة أو التّدبير أو التّدعيم بأيّ صورة لنلك المؤامرة، ممّا يستدعي إبعادها عن أيّ مناصب دستوريّة مستقبلاً حتّى لا تكرّر المأساة والتي مرّت بدون عقوبة ...". إذن فقد كان هناك ما يستدعي العقوبة الرّادعة حتّى لا تتكرّر المأساة. ومع هذا لم تحرّك مصر ساكناً. فلماذا؟ حتّى عندما ظهرت تصريحات التّرابي واعترافاته بتورّط نظام الإنقاذ في مؤامرة اغتيال حسني مبارك، واصلت مصر على سكوتها وكأنّ الأمر لا يعنيها، وهي التي ملأت الأرض ضجيجاً إبّان الأحداث في يونيو من عام 1995م. فلماذا يا تُراها فعلت ذلك؟

رفضت مصر مجاراة العالم الغربي، ومن خلفه مجلس الأمن، في استعداده لتوقيع أقصى العقوبات بنظام الخرطوم لتورّطه في مؤامرة اغتيال رئيس مصر، مفضّلةً بدلاً عن ذلك اتّباع سياسة الاحتواء، إيقاناً منها بأنّ هذا الشّطط في معاداتها يكشف عن سذاجة ماحقة، فضلاً عن ضعف مريع كان يعاني منه النّظام الحاكم بالخرطوم، وربّما لا يزال. هذه هي النّقاط التي عملت مصر على الاستفادة منها في تحقيق أطماعها التّوسّعيّة بالسّودان. فالسّودان كان حينها يعاني من عزلة مستغلقة، كما كان حكّامه يعالجون الحكم بمزيج من الغرارة والعنجهيّة. وكان كلّما وقع القائمون بأمر البلاد في البطر بالحكم والاستكبار على شعبهم المغلوب، وكلّما غرقوا في وحل الفساد، كلّما كانوا أكثر استعداداً لتقديم التّنازلات للقوى الخارجيّة، وأوّلها مصر.

وهكذا ما إن أهلّت الألفيّة الثّالثة حتّى وبدأت رياح التّغيير تهبّ عاتية، وقويّة من تلقاء المؤثّرات الخارجيّة. هذا بخلاف رياح المقاومة الوطنيّة الحزبيّة التي هربت من ميدان المعركة المدني بالدّاخل، وذهبت إلى الحركة الشّعبيّة متظاهرةً بأنّ لها قوّات مقاتلة أيضاً. وما كان هذا إلاّ لتجني ثمار نضالات الحركة الشّعبيّة العسكريّة التي مهرتها بدماء وأرواح ما مقداره ثلاثة ملايين شهيد.


خطاب إعلامي جديد

شهد عام 2003م بداية تدشين تحسين العلاقات بين الإخوة الأعداء، حكومتي السّودان ومصر، بصورة جادّة وقويّة. وفي الحقِّ، كأن حكم المولى الرّحيم ألاّ ينصلح الحال بين النّظام الحاكم بمصر ونظيره السّوداني إلاّ وتنفلق حبّةُ ذلك عن شرٍّ مستطير لا يقع رُزؤه أوّل ما يقع إلاّ على السّودانيّين. فقد أوردت جريدة الرّأي العام [عدد 2347، الخميس 13 محرّم 1425هـ الموافق 4 مارس 2004]، وبالتّرتيب مع جريدة الأهرام (أي أن يُنشر المقال المعني متزامناً في الصّحيفتين) مقالاً خبريّاً لمحمود مراد (وهو مصري ولنتذكّر اسمه لأنّنا سوف نتوقّف عنده فيما بعد) بعنوان: "حوار مع وزير الإعلام السّوداني: الزّهاوي إبراهيم مالك: خطاب إعلامي مصري سوداني جديد لتعميق التّكامل". ورد في المقال الخبري ما يلي:" قال الزّهاوي مالك وزير الإعلام والاتّصالات في السّودان إنّ زيارته التي تمّت إلى القاهرة منذ أيّام كانت مثمرة جدّاً وقد التقى خلالها بالدّكتور عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء، والسّيّد صفوت الشّريف وزير الإعلام الأمين العام للحزب الوطني، والسّيّد أحمد ماهر وزير الخارجيّة، وعدد من المسئولين، كما التقى بالسّيّد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدّول العربيّة، وزار المؤسّسات الصّحفيّة وهيئة الاستعلامات ومدينة الإنتاج الإعلامي، وأكّد أنّه قد تمّ الاتّفاق مع المسئولين المصريّين على خطاب إعلامي جديد، مشترك بين مصر والسّودان، لترسيخ وتعميق فكرة التّكامل بين البلدين".

إذن فكلّ هؤلاء المسئولين، بدءاً من رئيس مجلس الوزراء انتهاءً بالأمين العام لجامعة الدّول العربيّة، لإرساء خطاب إعلامي جديد بين مصر والسّودان، وذلك تكريساً للتّكامل بين البلدين بما يعود بالفائدة لكلا الشّعبين. ويواصل المقال: "وقال الوزير في حوار خاص مع الأهرام إنّ نتائج الاتّفاقات التي تمّت سيبدأ تنفيذها خلال أيّام ومنها تدريب الكوادر الإعلاميّة السّودانيّة من الصّحافة والإذاعة والتّلفزيون بكافّة أفرعها في القاهرة حيث تتوافر الإمكانات الكبيرة والخبرات البشريّة والتّقنيّة الحديثة سواء في المؤسّسات الصّحفيّة والإعلاميّة أو في الأكاديميّات والمعاهد العلميّة. كذلك تمّ الاتّفاق على تدعيم أكاديميّة السّودان لعلوم الاتّصال بخبراء إعلاميّين مصريّين عن طريق المنتدى المصري السّوداني الذي يُعدّ هو الآخر إنجازاً مهمّاً، إذ تمّ إنشاء المنتدى ليضمّ خبراء وشخصيّات مهتمّين بالشّأن السّوداني ليكون آليذة غير حكوميّة للتّكامل وتحقيق أهدافه". ثمّ يذهب المقال الخبري إلى إيراد معلومة تنسيق قيام سلسلة ندوات مشتركة بين الأهرام والمنتدى المصري السّوداني.

ممّا يلفت نظرنا في هذا المقال الخبري، الذي كُتب أصلاً لجريدة الأهرام القاهريّة، ثمّ نُشر متزامناً في جريدة الرّأي العام السّودانيّة بترتيب مع الأولى، أنّه يُشير إلى ما يسمّى (المنتدى المصري السّوداني) الذي يضمّ خبراء وشخصيّات مهتمّة بالشّأن السّوداني، ممّا يعني أن هؤلاء الخبراء ليسوا سودانيّين بل مصريين ترجيحاً. كما إنّ هذا المنتدى سيقدّم العون للحكومة (المصريّة طبعاً) لجهة إكمال مشاريع التّكامل ـ وهي مشاريع لا يفصح عنها المقال، بالرّغم من الإشارة إليها غمزاً ولمزاً. ثمّ سيقوم هذا المنتدى بالتّنسيق مع الأهرام بإجراء العديد من حلقات التّدارس والنّقاش في شئون سودانيّة. ومع غرابة كلّ هذا الأجندة التي يفصح عنها هذا المقال واشتماله على أمور جديرة بالتّعليق استفساراً و/أو استنكاراً، نجد الأغرب أن يُذكر جميع هذا في سياق حديثٍ منسوب لوزير سوداني. ثمّ أغرب من كلّ هذا أن يُنشر مثل هذا القول النُّكر في صحيفة سودانيّة. ومصدر تعجّبنا يكمن في أنّ هذا المقال الخبري (ولاحظ تسميتنا له)، مع ما فيه من أعاجيب، تلفُّ به إشكاليّة متعلّقة بالذّكاء المهني. فإمّا أن يكون كاتبه ممّن عازهم الذّكاء دماغيّا ومهنيّاً، أو أنّه لم يتحرّ سبك مقاله لاستهوانه بقرّائه السّودانيّين ـ دع عنك المسئولين الذين إمّا فعلاً قد صدر منهم ما يُنسب إليهم، أو أنّ الكاتب المصري قد تقوّل عليهم.

إذن فهناك خطاب إعلامي جديد بين مصر والسّودان، وقد بدأت طلائع هذا الخطاب تتجلّى عبر خطّة مصريّة متماسكة على ما فيها من فظاظة مهنيّة واشتطاط سياسي، ثمّ "استكراد"، يوازيها في الجانب الآخر خطاب إعلامي سوداني لا يستحقّ أن يُطلق عليه مصطلح "خطاب" إلاّ في كونه يتميّز بالتّخبّط وعدم التّنسيق والتّداعي، في أفضل الأحوال، أو الانبراش وبيع قضيّة شعب بأكمله، في أسوأ الحالات. دعونا نرى إلى أيّها ينتمي الخطاب الإعلامي والسّياسي السّوداني الرّسمي وغيره، فيما يخصّ العلاقة بين مصر والسّودان، متّخذين من قضيّة الحوض النّوبي مثالاً.


بيان وزارة الزّراعة: 6.1 مليون فدّان

يقول السّودانيّون عن مارس إنّه شهر الكوارث. وفي الحقِّ فقد كان شهر مارس من عام 2004م عامراً بالأنباء الكارثيّة بالنّسبة للسّودانيّين، وذلك في سلسلة الكوارث اليوميّة التي ظلّ عموم أهل السّودان يُبتلون بها، كفّارة ذنبٍ و"فطّاسة" روح. في يوم 31 مارس (شهر الكوارث) 2004 جاء في جريدة الصّحافة السّودانيّة (عدد 3892) وفي الصّفحة الأولى وذلك نقلاً عن القاهرة ـ وكالات الأنباء ـ ما يلي: "كشف مسئول كبير في وزارة الزّراعة السّودانيّة عن اتّجاه لطرح نحو 6.1 مليون فدّان في مدينة وادي حلفا على مسافة قريبة من الحدود المصريّة، أمام الشّركات المصريّة وفق عقود انتفاع طويلة الأجل". نُسبت تلك التّصريحات للدّكتور صادق عمارة (وزير الدّولة للزّراعة حينها)، والذي، حسبما جاء في الصّحيفة، واصل قائلاً: "... إنّ السّودان الذي يمثّل عمقاً إستراتيجيّاً لمصر يتيح أراضيه للزّرّاع المصريين، وأنّه توجد مساحات هائلة تتطلّب الجهد والعمل ومنها مساحة خصبة تصل إلى نحو 6.1 مليون فدّان في منطقة أرقين على مسافة قريبة من الحدود المصريّة في شمال السّودان. وقال الوزير لصحيفة الأهرام المصريّة إنّه تجري الآن عمليّة مسحها بالكامل وتقسيمها إلى مساحات متدرّجة تبدأ بألفي فدّان وتصل إلى خمسين ألف فدّان، لطرحها أمام الشّركات المصريّة التي تمتلك الجدّيّة والخبرة، وسيكون ذلك بعقود انتفاع طويلة الأجل". ولنلاحظ هنا أنّه لم يأتِ ذكر لأيّ مشاركات استثماريّة سودانيّة في هذا التّصريح، دع عنك أن يُذكر النّوبيّون أصحاب الأرض الذين تمّ اقتلاعهم بالقوّة المادّيّة القسريّة من أرضهم التّاريخيّة. فهم أولى النّاس النّاس بأيّ خير تتمخّض عنه هذه الأرض الطّيّبة. فإذا علمنا بأنّ النّوبيّين قد بدأوا يولون هذه المنطقة جُلّ اهتمامهم باعتبارها نصيبهم من السّلطة والثّروة، أدركنا مدى الانزعاج الذي يمكن أن يكون قد أصابهم من هذه الأخبار التي تتناقلها الصّحف، دون أن يصدر عنها بيان رسمي من قبل الجهات المسئولة.

(5)

مجموعة العمل النّوبي

أثارت هذه الأنباء المفاجئة مخاوف وقلق النّوبيّين، فتنادَوا ذرافاتٍ ووحدانا للتشاور وتبادل الرّأي بخصوص ما أُعلن. وكانت دار اتّحاد المحس والنّادي النّوبي بالخرطوم مسرحاً للعديد من اللقاءات التّلقائيّة والتي سرعان ما تبلورت في جسم أطلقوا عليه اسم "مجموعة العمل النّوبي". قامت المجموعة بجمع معلومات سريعة عمّا نُشر، حيث تكشّفت لهم أشياء مثيرة للقلق، منها أنّ هذا المشروع لم يمرّ عبر قنوات جهاز الاستثمار القومي، كما إنّ الأراضي التي يستهدفها هذا المشروع لا تقع في الحقيقة بمنطقة أرقين غرب وادي حلفا، بل بالحوض النّوبي الذي يبدأ بعد حوالي 30 إلى 50 كلم غرب النّيل. تكثّفت تحركات النّوبيّين في الدّاخل وفي دول الشّتات، مستنكرة لما رأت أنّه بيع للنّوبيّين ولأراضيهم. إزاء تحرّك النّوبيّين قامت وزارة الزّراعة بإصدار بيان أعلنت فيه أن المساحة المقصودة ليست 6.1 مليون فدّان، بل 1.6 مليون فقط، مشيرةً إلى أنّ الرّقم الأوّل جاء خطأً. بيد أنّ الجانب المصري ـ والذي يشكل مصدر المعلومات الرّئيسي في هذه القضيّة حتّى الآن ـ لم يبذل أيّ جهد لتصحيح هذه المعلومة. أدّى هذا إلى ازدياد اهتمام العديد من القطاعات النّوبيّة بهذه القضيّة، خاصّةً عندما تبيّن أنّ الحكومة المصريّة قد قامت قبل ذلك ببيع أراضي النّوبيّين المصريّين بنفس الطّريقة دون أن يكون لأصحاب الأرض نصيب.


مذكّرة المجموعة لكوفي عنان

وهكذا تمكّنت مجموعة العمل النّوبي من صياغة مذكّرة ضافيّة رُفعت في يوم 18 أبريل 2004 إلى السّيد كوفي عنان الأمين العام للأمم المتّحدة بخصوص الحوض النّوبي. خاطبت المذكّرة السّيد الأمين العام قائلةً: "نكتب لك، نحن النّوبيّين النّيليين بالسّودان، هذا الخطاب بوصفكم السّكرتير العام للهيئة التي تمثل المجتمع الدّولي. إنّ هذه بمثابة رسالة استغاثة يبعثها لكم أناس مسالمون حوّلتهم فضيلة السّلام هذي إلى ضحايا". وقد ذهبت المذكّرة إلى حدّ اتّهام الحكومة السّودانيّة ببيع مواطنيها لأسباب سياسيّة وأيديولوجيّة مشيرةً إلى أنّ: "... المفاوضات جرت على أعلى المستويات مع الحكومة المصريّة، وذلك في سبيل تمكين توطين ملايين الفلاحين المصريّين بأسرهم في مثلّث الحوض النّوبي (حلفا ـ عوينات ـ دنقلا) داخل السّودان. وقد تبيّن أنّ الهدف من هذه الخطوة هو حماية الهويّة العربيّة في السّودان من خطر تنامي الوعي بالأفريقانيّة في السّودان عامّة وفي أوساط النّوبيّين خاصّة".

ثمّ كشفت المذكّرة عن الخطّة التي من خلالها سيتم إضفاء المشروعيّة والصّفة القانونيّة على عمليّة البيع: "وقد تمّ الإعلان عن كلّ هذا تحت ستار خطة أطلق عليها "الحريّات الأربع" والتي تسمح نظريّاً للسودانيّين والمصريّين على حدٍّ سواء بامتلاك الأراضي الزّراعيّة والاستقرار في كلا البلدين. ... إذ ليس هناك أراضي زراعيّة يمكن للمستثمرين السّودانيّين أن يحوزوها في مصر، بينما هناك أراضي وفيرة في السّودان ينظر إليها المصريون بطمع بغية امتلاكها. ... لم يأت ذكر للنّوبيّين في كلّ هذه العقود التي أبرمت بليلٍ".


مصر الإمبرياليّة

ثمّ قامت المذكّرة بتوجيه الاتّهام الصّريح لمصر زاعمةً أنّ لها أطماعاً توسّعيّة بالسّودان: "لقد كان لمصرـ ولا زال ـ أطماعها الاستعماريّة بالسّودان، ذلك بوصفه الفناء الخلفي لها. لهذا كلّما قلّ عدد السّكان بالمنطقة، كلّما سهل احتلالها. ... إنّ مصر لم تتخلّ عن أطماعها التّوسّعيّة في السّودان منذ الاستعمار المصري ـ التّركي (1820م-1885م). وقد جاءت شراكتها مع بريطانيا في الاستعمار الثّنائي (1899م ـ 1956م) امتداداً لتلك الأطماع. والآن مع إرهاصات تفكّك السّودان إلى دويلات ضمن تداعيات احتمال انفصال الجنوب، فإنّ مصر تخطّط لضمّ الإقليم النّوبي النّيلي بالسّودان والذي يقع أسفل إقليم الشّايقيّة، وذلك تحت ادّعاءات حماية أمنها المائي". ولتوكيد هذا الزّعم أشارت المذكّرة إلى أنّ مصر: "... لا تزال تحتلّ منذ عدّة عقود مثلّثي سرّة، شمال حلفا، وحلايب، على البحر الأحمر. ولكن يبقى مثلّث الحوض النّوبي (حلفا ـ عوينات ـ دنقلا) هو الهدف الإستراتيجي لمصر، حيث تعمل لضمّه لما يُسمّى "مشروع توشكى" بمصر العليا".

وتمضي المذكّرة في تقديم تفصيلات أكثر لما تراه أطماعاً مصريّة في السّودان: "إنّ مصر تخطّط لإقامة مثلّثها الاستعماري الاستيطاني الأكبر بالسّودان، والذي يمتد من جبل عوينات عند تقاطع الحدود السّودانيّة ـ الليبيّة ـ المصريّة حتّى حلايب على البحر الأحمر، على أن تكون دنقلا هي رأس المثلّث الجنوبي".

كانت تلك المذكّرة بمثابة ضربة البداية لمباراة طويلة لم ينته شوطها الأوّل حتّى الآن. فبدايةً نشير إلى أنّ أهمّيّة تلك المذكّرة لا تكمن في لهجتها القويّة بقدر ما تكمن في أنّ من أصدروها هم نوبيّون. فأكثر السّودانيّين تعلّقاً وعلائق بمصر هم النّوبيّون، فأشواقُهم فيما عُرف عنهم تاريخيّاً كانت دائمّاً تملأ أشرعتَها رياح المحبّة المصريّة. ولكنّا في المقابل نُشير إلى أنّ رئيس الوزراء السّوداني الوحيد الذي أعلن استعداده لمواجهة مصر وأطماعها التّوسّعيّة في السّودان، كان عبدالله خليل، وهو ليس فقط نوبيّاً، بل وذو وشائج قربى قويّة بمصر إذ ينحدر من النّوبة الذي يقعون على الجانب المصري، وتحديداً من قرية أدندان. ثمّ لا نحتاج لأن نشير إلى أنّ من أعلنوا استقلال السّودان اكتسحوا الانتخابات تحت شعار وحدة وادي النّيل. وفي الوقع هذه بعض معميّات الشّخصيّة السّودانيّة التي استعصى فهمها على المصري، مواطناً عاديّاً كان، أم وزيراً، أم باحثاً أكاديميّاً.

إذن فقد نشطت منظّمات المجتمع المدني النّوبيّة في الدّاخل والخارج، وهذا ضرب من النّشاط عُرف به النّوبيّون منذ عهود قديمة وهم فيه روّاد. من جانبها واصلت الحكومة على النّفي، ثمّ النّفي، ثمّ النّفي، بينما سيل الأخبار المناقضة لنفيها تترى من القاهرة بين الفينة والأخرى. في هذا برزت عدّة تنظيمات سياسيّة نوبيّة، أغلبها ممّن تأسّس في عقد التّسعينات من القرن العشرين؛ وقد أعلن بعضها استعدادها لحمل السّلاح في حال دخول المصريين الحوض النّوبي. وكان للمواقع النّوبيّة الإلكترونية العديدة دور كبير في تعبئة الرّأي العام النّوبي، بمصر والسّودان.


نفي واستنكار: لا وألف لا!

انقضى عام 2004م والعديد من المسئولين الحكوميّين قد نفَوا وشدّدوا النّكير في أنّ الذين يردّدون مقولات بيع الحوض النّوبي للمصريّين ما هم إلاّ أعداء للثّورة والوطن، إذ إنّ ما يردّدونه لا يعدو أن يكون بضاعة معارضة كاسدة لن تجد من يشتريها من الشّعب، نوبيّين أو غير نوبيّين. وقد بدأ مسلسل التّراجع عمّا ورد بجريدة الصّحافة المشار إليها أعلاه، إلى أنّ الرّقم الصّحيح هو 1.6 مليون فدّان وليس 6.1 فدّان التي وردت كخطأ فنّي. ليس ذلك فحسب، بل ذهب الدّكتور صادق عمارة (وزير الدّولة بوزارة الزّراعة) إلى التّنبيه لدى ملاقاته للعديد من النّوبيّين، صدفةً أو تدبيراً، إلى أنّه كنوبي (كذا!) لا يمكن أن يقوم بعملٍ كهذا. وقد تصدّت للدّفاع عن نزاهة الرّجل إزاء ما يُقال من أنّه فعل ذلك إحدى سكرتيرات مكتبه من النّوبيّات، فشرعت في تدبيج البيانات في المواقع النّوبيّة ثمّ في إحدى غرف الـ Pall Talk النّوبيّة، مبديةً استعداد السّيّد الوزير للمشاركة في الغرفة للرّدّ على استفسارات المواطنين الذين أقلقهم ما ورد في مذكّرة مجموعة العمل النّوبي. وبالفعل، نجحت تلك الحملة المضادة في شقّ صفوف النّوبيّين، فإذا هم بين مصدّق ومكذّب لما ورد. فالأمر في نهاية المطاف تحوّل إلى "كلام جرايد"، وليس أكذب في عرف الشّارع السّوداني من ذلك.

كلّ هذا حدث قبل توقيع اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع بين حكومتي مصر والسّودان، وهي الاتّفاقيّة التي تعطي نظريّاً المصري والسّوداني على قدم المساواة حق التّنقّل والإقامة والعمل والامتلاك. ونقول "نظريّاً" لأنّ واقع الحال سيكشف أنّ السّوداني حرّ فعلاً، لكن بحدود؛ هذا بينما يتفوّق عليه المصري في كون الأخير أكثر حرّيّةً من السّوداني فيما يتعلّق بهذه الحقوق نفسها.


(6)


مرحلة ما بعد اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع

التّوقيع على الاتّفاقيّة الحريّات

في الخامس من أبريل عام 2004م، أي قبل يوم واحد من الذّكرى التّاسعة عشرة لثورة أبريل 1985م، ورد العنوان التّالي بالصّفحة الأولى: "السّودان ومصر يوقّعان اتّفاقيّة الحريّات الأربع" (جريدة الصّحافة، عدد 3897، بتاريخ الإثنين 15 صفر 1425هـ الموافق 5 أبريل 2004م). كما ورد نفس الخبر وفي الصّفحة الأولى بجريدة الأيّام، ولكن مع فارق ربّما كان خطأً مطبعيّاً من الأيّام أو الصّحافة (لا يهمّ) أو جزءاً من ثقافة "الكلفتة" التي ضربت بأطنابها في بلادنا منذ أمدٍ ليتمّ تكريسها بما لم يسبق في زمن الإنقاذ الكالح؛ [عدد 7859، بتاريخ الإثنين 14 صفر 1425هـ الموافق 5 أبريل 2004م] فقد ورد التّاريخ العربي مختلفاً بينهما.

ضمّ الوفد السّوداني بالإضافة إلى السّيّد رئيس الجمهوريّة كلاًّ من السّادة الوزراء الآتية أسماؤهم: مصطفى عثمان إسماعيل (الخارجيّة ـ عن المؤتمر الوطني الحاكم)، الزّهاوي إبراهيم مالك (الإعلام ـ عن حزب الأمّة جناح مبارك الفاضل)، مجذوب الخليفة (الزّراعة ـ عن المؤتمر الوطني الحاكم)، جلال الدّين الدّقير (الصّناعة ـ عن الحزب الاتّحادي الدّيموقراطي جناح زين العابدين الهندي). أمّا الوفد المصري، فقد ضمّ بالإضافة إلى السّيّد رئيس الجمهوريّة كلاًّ من السّادة الوزراء الآتية أسماؤهم: عاطف عبيد (رئيس الوزراء)، يوسف والي (الزّراعة)، حسين طنطاوي (الدّفاع والإنتاج الحربي، صفوت الشّريف (الإعلام)، وأحمد ماهر (الخارجيّة).

بخصوص الاتّفاقيّة ورد في الصّحافة: "ووقّع إسماعيل وماهر في حضور البشير ومبارك على اتّفاقيّة الحريّات الأربع (التّنقّل، والعمل، والإقامة والتّملّك)". وفي ذلك "ذكر [وزير الإعلام المصري] أنّ الحرّيّات الأربع بشأن التّنقّل والعمل والإقامة والتّملّك سواء بالنّسبة للأراضي أو العقارات أو المنقولات أو الشركات والشّراكة ...". أمّا مصطفى عثمان إسماعيل (وزير الخارجيّة السّوداني) فقد صرّح للصّحفيّين بمطار الخرطوم وذلك عقب عودة الرّئيس عمر البشير من القاهرة واصفاً التّوقيع على الاتّفاقيّة بقوله: "... التّوقيع على اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع ... إنجاز تاريخي ...".

ندوات مركز الأهرام

الإطار التّطبيقي لاتّفاقيّة الحرّيّات الأربع

ما إن أطلّ عام 2005م حتّى طالعتنا ملفّات الأهرام الإلكترونيّة بقولٍ نُكر لم يُسبق عليه مسئول سياسي سوداني من قبل. فقد حمل لنا شهر يناير من ذلك العام إفادات نُسبت لإثنين من المسئولين السّودانيّين، أوّلها بتاريخ 7 يناير 2005م وتخصّ الفريق (الفريق آنذاك) عبد الرّحيم محمّد حسين (كان وقتها وزير الدّاخليّة ـ الآن وزير الدّفاع) وذلك في معرض لقائه بالعلماء والخبراء والباحثين المصريّين بمركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة

http://www.ahram.org.eg/archive/index.asp?CurFN=file5.htm&DID=8359


الذين تحلّقوا حوله مستفسرين عن المشروع، ثمّ محقّقين عن جدواه. والإفادة الثّانية تلك التي تخصّ الدّكتور الصّادق عمارة، وكان وقتها وزير الدّولة بوزارة الزّراعة السّودانيّة، وذلك بتاريخ 21 يناير 2005م


http://www.ahram.org.eg/archive/index.asp?CurFN=file1.htm&DID=8373


في سياق ندوة نظّمها أيضاً مركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة. وقد بدا واضحاً من الأسئلة والمخاوف التي رفعها العلماء والخبراء بالمركز حول جدوى وعواقب مشروع استيطاني خطير كهذا، كما لو أنّ النّظام المصري قد دفع بالمسئولين السّودانيّين لتبديد هذه المخاوف، وإظهار المشروع باعتباره مطلباً سودانيّاً قبل أن يكون مصريّاً. وهذا ما يبدو واضحاً ممّا نُسب إلى المسئولَيْن المعنيّين أنّهما قد قاما به بأكثر ممّا خطّط له المصريّون.

في تلك النّدوة نُسب إلى الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين قوله: "ركّز الوزير السّوداني في حديثه إلى خبراء وباحثي مركز الدّراسات على أنّ التّصوّر بأنّ النّظام السّوداني هو الذي يحتاج إلى مصر في هذه المرحلة ولذلك يبادر إلى طرح هذه الأفكار هو تصوّر قاصر ومبتسر ... ولذا فإنّ إستراتيجيّة التّعاون هذه ليست نابعة من رؤية سياسيّة تستند على أمن نظام هنا أو هناك وإنّما هي رؤية إستراتيجيّة لمستقبل مشترك".

وقد يسألُ سائلٌ: ولكن هل صدقت ملفّات الأهرام؟ وفعلاً تُرى ما هي درجة المصداقيّة التي تتمتّع بها ملفّات الأهرام التي سنتناول بالعرض والتّحليل مضابط ومحاضر ندواتها فيما يخصّ تهمة بيع الحكومة السّودانيّة مثلّث الحوض النّوبي لمصر بغية توطين ملايين الفلاّحين المصريّين؟

في الحقيقة يهمّنا الوقوف على أمر مصداقيّتها في القليل وفي الكثير. فإن هي عُدمت المصداقيّة، فهذا شأن لا يخصّ فقط من تقوّلت عليهم. إذ عندها حُقّ لنا ولجميع قطاعات الشّعب السّوداني أن نطالب ساستنا بعد تسجيلهم للإدانة الدّامغة لمثل هذا التّقوّل، أن يراجعوا أنفسهم في علاقتهم ببلدٍ يفتري عليهم بهذا المستوى. وإن هي كسبت معركة المصداقيّة، حُقّ لنا وجميع قطاعات الشّعب السّوداني أن نُراجع أمر ساستنا الذين يبدو كما لو أصابهم مسٌّ من جنون السّلطة (وهو شيء شبيه بجنون البقر)، فنعمد إلى مواجهتهم ولو كان في ذلك حتفنا، وليحيا بعد ذلك الوطن.

لكن ليت الأمر توقّف عند مصداقيّة الأهرام المصريّة؛ إذ ما قالته الأهرام هناك، قالته أيضاً هنا في السّودان، وعبر صفحات العديد من الصّحف السّودانيّة التي طفقت تردّد ذلك في سرور وحبور. إذن، تعالوا لنرى!

ملفّات الأهرام: الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين

الخبراء في حضرة الفريق

الآن دعونا نستعرض بعضاً ممّا نُسب إلى الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين، في لقائه بخبراء وباحثي مركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة، ممّا فهمه الكثيرون على أنّه استجداء لمصر كيما تحتلّ السّودان شمال السّودان: "شدّد الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين في عرضه على أنّ مجرى نهر النّيل في المنطقة الواقعة بين الخرطوم حتّى وادي حلفا في الشّمال أكثر طولاً من ذلك الجزء من النّهر الذي يمرّ في الأراضي المصريّة وأشار إلى مفارقة هائلة تتمثّل في أنّ سكّان مصر الذين يتركّزون بشكل أساسي حول ضفّتي النّهر يبلغون تقريباً 70 مليون نسمة بينما يعيش 1.2 مليون نسمة فقط في المسافة من الخرطوم إلى وادي حلفا. وإذا كانت التّقديرات تشير إلى أنّ عدد سكّان مصر سوف يصل إلى 100 مليون نسمة بعد عشرين سنة من الآن فأين سوف يذهبون وإلى أين سيكون التّوجّه المصري لمعالجة هذا الموقف؟"

ولكن السّيّد الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين (فيما نُسب إليه) لا يجيب عن هذا السّؤال ذي التّداعيات الخطيرة، بل يتركه لذكاء الخبراء، ثمّ القرّاء من بعدهم. ثمّ إن هي إلاّ هُنيهة، فإذا به يُمطرنا ـ خبراءَ وقرّاء معاً ـ بسيل من الإجابات والتّبريرات التي نظر إليه الكثيرون على أنّها يمكن أن تُوصف بأيّ شيء إلاّ الذّكاء، دع عنك الكرامة والوطنيّة: "في هذا الإطار أشار الوزير السّوداني إلى أنّ مصر اتّجهت اهتماماتها السّياسيّة والفكريّة والثّقافيّة طوال الخمسين عاماً الماضية إلى الشّمال ولم تلتفت إلى حدودها الجنوبيّة وأنّه قد حان الوقت لوضع إستراتيجيّة تكفل تحقيق المصالح الحيويّة لقطري وادي النّيل حيث إن الأوضاع الحاليّة تستوجب أن يكون التّحرّك المصري هو باتّجاه السّودان على الأقلّ لحل مشاكل مصر الغذائيّة والسّكّانيّة وفي الوقت نفسه المساهمة في تحقيق التّنمية والاستثمار الأمثل للموارد في السّودان بشكل متوازن ومتبادل لمصلحة كلا الطّرفين". جانباً عن بطلان مقولة إنّ مصر قد انصرفت عن إيلاء الشّأن السّوداني ما يستحقّ من اهتمام خلال الخمسين عاماً الماضية، تجدر الإشارة إلى أنّ هذه المدّة تتطابق مع الفترة الزّمنيّة التي تمّ فيها توقيع اتّفاقيّة السّدّ العالي، وإغراق ذلك الجزء من الإقليم النّوبي، ثمّ إفراغ المنطقة من السّكّان تماماً. ومع تحرّي السّيّد "الوزير السّوداني" لتحديد حيثيّات الاستفادة المصريّة (حلّ مشاكل مصر الغذائيّة والسّكّانيّة ـ على الأقلّ) يترك لنا حيثيّة الاستفادة السّودانيّة في إجمالها دون تفصيل.

أراضينا مفتوحة لكم

ثمّ يواصل الفريق وزير الدّاخليّة (فيما نُسب إليه) في عرضه لأراضي السّودان المختلفة، داعياً المصريّين كيما يأخذوا منها باليمين وباليسار: "وقال الفريق عبد الرّحيم إنّ مصر اتّجهت إلى استصلاح بعض الأراضي الصّحراويّة في مشروع توشكي أمام السّدّ العالي لاستصلاح 600 ألف فدّان وأكّد أن ما صُرف على هذا المشروع كان من الممكن وبكلّ سهولة أن يستثمر لاستصلاح ما يزيد عن ثلاثة ملايين فدّان في السّودان وأنّ هناك بالفعل مساحات جاهزة للزّراعة في كلٍّ من المديريّة الشّماليّة وكسلا والقضارف مساحتها 4 مليون فدّان وأشار إلى أنّ إجمالي الأراضي الزّراعيّة القابلة للزّراعة في السّودان هي 220 مليون فدّان وأنّ المستغلّ منها هو 40 مليون فدّان فقط في حين أنّ كلّ سكّان مصر يعيشون على 6 مليون فدّان".

وتبلغ هذه الملهاةُ المأساةُ قمّتَها عندما يتفنّن الجانب السّوداني في مناوراته لإقناع الجانب المصري بالاستيطان في السّودان تحت غطاء الاستثمار حلاًّ لمشاكل مصر الغذائيّة والسّكّانيّة (على الأقلّ). فالأصل في سوق مثل هذه الحجج أن يقوم بها الجانب المصري (المتهافت) لإقناع الجانب السّوداني (المتمنّع). أنظروا إلى هذا التحاجج الذي ساقه وزير الدّاخليّة السّوداني (فيما نُسب إليه) في لقائه العجيب ذلك بخبراء وباحثي مركز الأهرام: "وأنّه إذا كانت تكلفة استصلاح الفدّان الواحد في مصر تبلغ عشرة أضعاف استزراع الفدّان في السّودان فإنّ النّظرة الاقتصاديّة الرّشيدة تستوجب أن تتمّ هذه العمليّات والمشروعات في الأراضي السّودانيّة لصالح البلدين". ثمّ فجأةً، وبعد هذا مباشرةً، تنكمش أراضي السّودان المتعدّدة تلك، لتصبح منطقة بعينها: "ولمزيد من التّوضيح [توضيح للخبراء المصريّين في مجال الاستثمار يقوم به لواء في الجيش السّوداني ـ كذا] ضرب الوزير السّوداني بعض الأمثلة المحدّدة وقال بأنّ منطقة ’أرقين‘ جنوب الحدود السّودانيّة المصريّة مباشرةً بها أراضي خصبة قابلة للزّراعة مساحتها 1.5 مليون فدّان وأنّ هذه المنطقة يمكن بدء العمل فيها فوراً وبإمكانها استيعاب مئات الآلاف من الأسر المصريّة لتشغيل مثل هذا المشروع وأنّ هذا يحقّق مصالح عديدة لمصر من بينها تخفيف حدّة البطالة واستثمار اقتصادي بعائد مربح واستثمار إستراتيجي بتوفير الغذاء بالاعتماد على الذّات".

ولنا أن نعجب من مقولة "الاعتماد على الذّات" هذه؛ إذ أين الاعتماد على الذّات عندما تنهب دولة (مصر) موارد دولة أخرى (السّودان) لمجرّد أنّ موارد هذه الدّولة الأخرى قد نامت عن ثعالبها النّواطيرُ؟ ثمّ لنا أن نعجب أكثر للكيفيّة التي بها يمكن لقرية صغيرة (أرقين) أن تتمخّض عن أراضٍ بهذا الحجم؟ ثمّ تُرى كم من مئات الآلاف سيقف عندها هذا الرّقم العجيب من الأسر المصريّة؟ نصف مليون، أم ثلاثة أرباع المليون، أم المليون نفسه؟ ثمّ ماذا يعني فعليّاً عدد "مئات الآلاف من الأسر المصريّة"؟ للإجابة على هذا السّؤال علينا أن نقوم بمضاعفة عدد كلّ أسرة في المتوسّط سبع مرّات على أقلّ تقدير، لنكوّن فكرة عمليّة عن العدد الكلّي للرّقم الذي نُسب إلى الوزير السّوداني. وعلى أيّ حال، إذن فما ردّده النّوبيّون عن مسألة بيع الحوض النّوبي للمصريّين تحت دعاوى الاستثمار بينما الاستيطان هو المقصود، يتجاوز الشّائعة ليصبح موقفاً رسميّاً لا يبوء به إلاّ النّظامان الحاكمان في السّودان ومصر، أو أحدهما.

(7)


ملفّات الأهرام: الدّكتور الصّادق عمارة

مندوب رئيس الجمهوريّة

الآن دعونا نستعرض بعض جوانب من التّصريحات التي يفترض أنّ الدّكتور الصّادق عمارة قد قدّمها وقتها عندما كان وزير الدّولة بوزارة الزّراعة، لدى لقائه بالخبراء المصريّين بالقاهرة في 21 يناير 2005م


http://www.ahram.org.eg/archive/index.asp?CurFN=file1.htm&DID=8373


وذلك حسبما نسبته إليه ملفّات الأهرام في سياق ندوة نظّمها أيضاً مركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة. وقد شارك السّيّد صادق عمارة في تلك النّدوة لا بوصفه وزير الدّولة للزّراعة فحسب، بل بوصفه: "المكلّف رسميّاً من الرّئيس السّوداني عمر البشير ومن الحكومة السّودانيّة بمسئوليّة التّكامل الزّراعي بين البلدين في إطار العلاقات الثّنائيّة التّكامليّة التي ترعاها اللجنة العليا المشتركة ويتولّى الملفّ الخاص بها وزيرة التّعاون الدّولي فايزة أبو النّجا في مصر، والدّكتور مجذوب الخليفة وزير الزّراعة في السّودان". وهنا ننقل الصّيغة الحرفيّة للتّقديم الرّسمي الذي ابتدر به مدير النّدوة الحديث. كما قيل في تقديمه أيضاً: "وكان الدّكتور عمارة قد أجرى في القاهرة الأسبوع الماضي اتّصالات عديدة بهذا الخصوص مؤكّداً أنّه مكلّف من الرّئيس البشير بسرعة العمل وأنّ الرّئيس بشير قال له إنّ الرّئيس حسني مبارك مهتمّ بمنطقة أرجين [أرقين] والمشروعات التي تقام فيها". عليه يكون الدّكتور الصّادق عمارة قد تفاوض في هذا الموضوع بوصفه ممثّلاً للحكومة السّودانيّة. عليه، سيكون من الصّعب للمرء أن يقبل بالدّفوعات التي قدّمها فيما بعد عندما كشف النّوبيّون هذه الوثيقة للرّأي العام النّوبي والسّوداني، إذ جاء إلى النّادي النّوبي بالخرطوم ونفى نفياً قاطعاً أن يكون قد أدلى بهكذا حديث لأيّ جهة. ومع كلّ هذا، لم نسمع عن نفي رسمي، لما ورد بملفّات الأهرام، التي كان ينبغي أن تُلاحق رسميّاً في تقوّلها على رئيس الجمهوريّة عمر البشير، دع عنك وزيري الزّراعة مجذوب الخليفة والصّادق عمارة.

تبدأ النّدوة التي قدّمها محمود مراد بقول الأخير: "دقّت ساعة العمل الجاد بين القاهرة والخرطوم لتنفيذ مشروع للتّكامل بين مصر والسّودان، يعدّ نموذجيّاً بكلّ المقاييس والمواصفات ...". ومع أنّ السّيّد مقدّم النّدوة لا يشرح لنا بالنّسبة لمن يُعدّ هذا المشروع نموذجيّاً بكلّ المقاييس والمواصفات، بالنّسبة لمصر، أم للسّودان؟ إلاّ أنّ الإجابة على هذا السّؤال الهام ستقفز من بين السّطور عمّا قليل كما تقفز أسماك البحر عندما تستبدّ بها النّشوة. بعد هذا التّقديم انبرى الدّكتور الصّادق عمارة قائلاً: "لقد اكتملت القناعات وآن الأوان لدفع عجلة التّكامل .. ومن هنا وقع الاختيار على ’أرجين‘ [يقصدون ’أرقين‘] لتكون نموذجاً قابلاً للتّوسّع .. وهذا الاسم للمنطقة نسبة إلى القرية السّودانيّة المسمّاة به والتي تقع على حدود مصر مباشرةً بمسافة عدّة أمتار .. وهي تحديداً على مسافة 65 كيلومتراً من مدينة أبو سمبل المصريّة التي ينتهي عندها خطّ السّكّة الحديد المصريّة، والفكرة ببساطة تعتمد على أنّها أرض طيّبة .. وتروى من مياه النّيل مباشرةً كما يوجد بها أكبر خزّان للمياه الجوفيّة في أفريقيا وهو الحوض النّوبي .. وتصلح جدّاً للزّراعة .. والإنتاج الحيواني .. بما يغطّي احتياجات مصر ويفيض للتّصدير [التّرقيم عن طريق التّنقيط جاء هكذا في الأصل]".

هذا القول وحده يكفي كقرينة دالّة على أنّ المقصود هنا هو الحوض النّوبي وليس قرية أرقين. فالسّيّد الوزير يقول بصريح العبارة بأنّ إطلاق الاسم ’أرقين‘ على المنطقة المعنيّة يعود إلى القرية، الأمر الذي يعني أنّ المنطقة المعنيّة أكبر بكثير من قرية أرقين. فإذا كانت هذه المنطقة تروى من النّيل مباشرةً، تُرى ما هي مناسبة الإشارة إلى أنّها تقع بجوار أكبر خزّان للمياه الجوفيّة بأفريقيا؟

جدّاً ... جدّاً

ونلاحظ كيف تُظهر مضابط النّدوة السّيّد وزير الدّولة للزّراعة، كما لو كان يتهافت في استجدائه للخبراء المصريّين، كيما يقتنعوا بفكرة المشروع، وذلك في تبسيطه لمشروع خطير كهذا، فضلاً عن قوله ".. وتصلح جدّاً للزّراعة .. والإنتاج الحيواني ..". ثمّ لا يقف عند هذا، بل يحاول، كرفيقه الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين، أن يُحاضر [كذا] الخبراء المصريّين إلى ما فيه خير بلادهم: "فإنّ مصر تستورد حاليّاً ستّة ملايين طن قمح وخمسة ملايين طن من الذّرة الصّفراء ومليون طن فول صويا غير الزّيوت والسّكّر وغيرها .. فلم لا تنتج هذا بل وتصدّره .. ولم لا تنتج الأرز ـ مستخدمة خبرتها ـ وتصدّره بكميّات كبيرة إلى العالم؟" ولكن ماذا عن حقوق النّوبيّين في منطقتهم هذه؟ هنا يأتي الرّدّ المنسوب للسّيّد الوزير جاهزاً وخالياً من الحصافة: "بهذا وغيره تصبح أرجين منطقة تكامل نموذجيّة وهي جاهزة .. وخالية من السّكّان إذ تنتشر حولها تجمّعات قبائل نوبيّة ...". ولكن السّيّد الوزير لا يعطينا أيّ أرقام بخصوص تجمّعات قبائل مواطنيه النّوبيّين التي يستخفّ بها كما لو كانت كغُثاء السّيل لا يعبأ الله بهم، هذا بينما لم تخنه الإحصائيّات الدّقيقة وبالملايين عندما تعلّق الأمر باحتياجات السّادة المصريّين. وعلى أيّ حال، هذا القول إمّا أنّه يكشف عن قدر ومكانة النّوبيّين الوضيعة في نظر حكومتنا المصونة، أو أنّه يكشف عن نفس المكانة الوضيعة للنّوبيّين في نظر حكومة مصر المحروسة (أو قُل: مصر المؤمّنة) ـ هذا إن لم يكن الأمران معاً، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

تُرى ما الذي يخبّئه القدر لنا، نحن السّودنيّين، الذين ظللنا نتدهور من حالق الحضارة إلى حضيض التّخلّف بسرعة مذهلة ومنتظمة، كما لو كنّا جلمود صخرٍ حطّه السّيلُ من علٍ؟

فإذا كان هذا ما افتراه المصريّون، وعبر واحدة من أعرق مؤسّساتهم البحثيّة، تقوّلاً على المسئولين السّودانيّين، بدءاً من السّيّد الرّئيس انتهاءً بوزراء الدّولة، فلم لم يصدر أيّ نفي رسمي، ثمّ احتجاج رسمي يُطالب الجانب المصري بالاعتذار عن هذه التّقوّلات؟ دعونا نستمرّ في استعراضنا لنرى، إذ عمّا قليل سنرى كيف لم يفوّت المصريّون أيّ فرصة لذكر اسم أيّ مسئول له ضلع أو شبهة ضلوع في هذا الأمر الخطير.


حدود التّوسّع المصري شرقاً وشمالاً

تُرى إذا كانت المنطقة المقصودة هنا هي الحوض النّوبي، إلى ماذا إذن تُشير كلمة ’وغيره‘ في جملة ".. بهذا وغيره ..." من الحديث المنسوب للوزير الصّادق عمارة أعلاه؟ فهل هناك مناطق أخرى؟ هنا سرعان ما تقفز علينا سمكة الإجابات، فنقرأ في الفقرة التي تلي ذلك مباشرةً: "والمنطقة مرتبطة بشبكة طرق ... منها نهر النّيل، ومنها الطّريق البرّي بين أبو سمبل ـ دنقلا وهناك توجيهات بإتمامه فوراً وقد جرى بحث هذا من قبل بين وزير النّقل السّوداني: السّمّاني الوسيلة [حينها؛ الآن يشغل وزير الدّولة بالخارجيّة عن الحزب الاتّحادي الدّيموقراطي جناح زين العابدين الهندي] وبين وزير النّقل المصري الدّكتور عصام شرف واتّفقا على طريق من أبو سمبل في مصر إلى مدينة دنقلا ـ شمال السّودان ـ ومنها يتفرّع شرقاً إلى مدينة القضارف، ثمّ إلى إثيوبيا، كما يتفرّع طريق آخر غرباً ...".

ويقول في النّدوة المهندس علي الهيتمي: "ولأنّ الطّرق مهمّة في التّنمية .. فقد علمنا هذا في الفترة الأخيرة، واتّفق الدّكتور محمّد إبراهيم سليمان وزير الإسكان والمرافق العامة والمجتمعات العمرانيّة مع معالي محمّد طاهر جيلا وزير النّقل السّوداني [حينها] على شقّ طريق برّي بموازاة البحر الأحر من الحدود المصريّة السّودانيّة حيث ينتهي الطّريق المصري المرصوف، ويمتدّ حتّى ميناء بورسودان ...". وهكذا يشرع المسئول المصري في تعداد الطّرق التي من شأنها أن تخترق الأقاليم السّودانيّة شمالاً وشرقاً وغرباً. ولكن من هو محمّد طاهر جيلا؟ هل التبس الأمر على المسئول المصري ولذا يشير هنا إلى الوزير الأسبق في عهد الدّيموقراطيّة "محمّد طاهر جيلاني"، أم يا ترى التبس عليه اسم محمّد طاهر إيلا؟ ثمّ هذا ناتج عن لبس، أم هي عادة المصريّين في تهجئة أسماء المسئولين السّودانيّين كما لو كانت أسماء ما السّحرة والشّياطين؟ ولنا أن نعجب، إن كان ذلك كذلك، كيف ارتدّ المسئول المصري بطريقة انعكاسيّة إلى عادة المصريّين الرّسميّة في نطق أسماء المسئولين السّودانيّين بطريقة خاطئة كأنّما هي أسماء ما أنزل الله بها من سلطان.

ونلفت نظر القارئ إلى أنّ هذه هي نفس مصر التي تحتلّ حلايب ومثلّث سرّة بأدنى وادي حلفا لعقود وعقود، بل نلفت نظره إلى أنّ هذا هو نفسه النّظام الذي زعم أنّه جيّش الجيوش وأعلن النّفرة الكبرى لتحرير حلايب من قبضة المصريّين. وهي نفس الدّولة التي عملت على وضع العراقيل للحيلولة دون تمكّن الحكومة السّودانيّة من إجراء التّعداد السّكّاني بمثلّث حلايب عام 2008م. وهي نفس الدّولة التي تصدر عنها العديد من أعمال التّرويج التّجاريّة السّودانيّة، فتعمل على الاستفادة من حالة الغفلة الوطنيّة المزمنة لدى الصّفوة السّودانيّة، فتُظهر خريطة السّودان وحلايب ليست جزءلً منه.

هل هناك مناطق أخرى يا ترى؟

دعونا الآن نتأمّل مسألة شبكة الطّرق العنكبوتيّة التي يزمع القوم إنشاءها في شمال وشرق السّودان، ويزعمون بأنّهم قد حصلوا في ذلك على العون كلَّ العون من الحكومة السّودانيّة. تُرى ما هي قصّتها؟ لفهم ذلك قد نحتاج إلى ربطه بما نُسب إلى السّيّد الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين [أنظر أعلاه] لنفس المجموعة من الخبراء والباحثين، في معرض حثّه لهم بقبول مشروع توطين ملايين المصريّين في السّودان: "وأنّ هناك بالفعل مساحات جاهزة للزّراعة في كلٍّ من المديريّة الشّماليّة وكسلا والقضارف ..."، عندها وجب علينا اتّخاذ الحذر من مثل هذا المشروع. فالمسألة ربّما كانت تتعلّق فعلاً بالمشروع الأمريكي البريطاني الرّامي إلى تفكيك الدّول الكبيرة بالمنطقة وتقسيمها إلى دويلات صغيرة على غرار نظام الدّولة المشيخيّة الذي تقوم عليه دول الخليج العربي، حيث لا يمكن للواحدة منها الدّفاع عن نفسها إزاء أيّ خطر خارجي دون مساعدة لوجستيّة مباشرة من إخدى الدّول العظمى (أمريكا طبعاً). ففي نفس اللقاء يقول الدّكتور الصّادق عمارة: "هناك تفصيلات كثيرة لم نقلها ...". وبالفعل صدرت مؤخّراً بعض الصّرخات الاستغاثيّة من أهلنا البجا تشير إلى مصادرة الأراضي في دلتا القاش وطوكر ومنحها لشركات مصريّة.

وليت الأمر توقّف عند هذا الحدّ، إذ واصل في انحداره بطريقة رأسيّة، ليصل دركاً سحيقاً في الرّياء ومسح الجوخ، بما لم يألفه السّودانيّون أبداً في تعاملهم مع العرب عموماً والمصريّين خاصّة.

(8)

تهافت التّهافت

وما يجعلنا نذهب إلى أنّ الموضوع كلّه محاولة مصريّة لإقناع المؤسّسات العلميّة الأكاديميّة لتقبل وتبارك مشروعها المتهافت الذي يقوم على الاستيطان في السّودان تحت غطاء الاستثمار هو تبادل الأدوار بين مقدّم النّدوة، محمود مراد، وهو صحفي يبدو كما لو كان مكلّفاً بتسويق هذه الصّفقة، وبين المسئولين السّودانيّين. تأمّلوا معنا ما يقوله محمود مراد: "وبالنّسبة للنّقطة الحسّاسة .. وهل تكون الأرض ملكيّة خالصة أم حقّ انتفاع فإنّني أقول في ضوء مناقشاتي مع المسئولين السّودانيّين ـ وعلى مستوى رفيع ـ إنّ هناك دراسة حول التّمليك تأسيساً على اتّفاقيّة الحريّات الأربع بين البلدين وهي: حقوق ’السّفر والإقامة والعمل والتّملّك‘. والنّظام المعمول به حاليّاً ومن الآن هو الحصول على الأرض بعقد ’حقّ الانتفاع لمدّة خمس وخمسين سنة وتجدّد‘ ويمكن أن تكون ـ وهذا ميسور ـ لمدّة تسع وتسعين سنة، قابلة للتّجديد ...". ويعكس هذا الخلفيّة التي صيغت عليها اتّفاقيّة الحريّات الأربع، الأمر الذي يجعل المرء يفكّر في ما قالت به مجموعة العمل النّوبي، عندما زعمت بأنّ المسألة كلّها تمثيليّة الغرض منها ذرّ الرّماد في عيون الشّعب حتّى لا يرى بأمّ عينيه الوطن يُباع في الدّلالة الدّوليّة. ويبلغ سوء الإخراج جرّاء "الكلفتة" النّاجمة عن العجلة الماحقة قمّته عندما يقوم مقدّم النّدوة بإعلان حيثيّات لاتّفاق رسمي لم يُعلن عنه من قبل. ثمّ يبلغ التّناقض قمّته عندما يُثبّت ما سعى الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين إلى نفيه، وذلك بالنّظر إلى الموضوع باعتباره إستراتيجيّة أمنيّة. فهو يقول: "فالمسألة في صالح البلدين بل أقول في مصلحة الأمن القومي لكليهما .. مع وجود مصلحة اقتصاديّة واستثماريّة لمن يشارك ويستثمر .. ومن يسارع سيحصل على أفضل المواقع ..". ثمّ يبلغ التّهافت والتّداعي قمّته ليكشف عن مستوى من الانتهازيّة مارسته مصر في حقّ الشّعب السّوداني مرّات ومرّات وذلك كلّما واتتها الفرصة، ولا تُلام في ذلك طالما كانت تستخدم أذرعة سودانيّة ورسميّة. يقول محمود مراد (المصري ـ لاحظ!): أضيف إلى أنّه إذا كانت هناك رغبة وإرادة لتنفيذ منطقة التّكامل هذه .. فلا بدّ من الإسراع، وأنا أدعو هنا القطاع الخاصّ للتّحرّك الفوري قبل أن يفوت الوقت ونقول ’يا ليتنا‘ ونفاجأ بآخرين هجموا عليها ...".

ولكم صدق في قوله هذا مع ما فيه من درجة عالية من الانتهازيّة؛ فإذا كانت "البلد هاملة"، إذن فلنهجم عليها نحن قبل أن يهجم آخرون. إذ كيف يُلام المصريُّ على انتهازيّته في الهجوم الكاسر للإجهاز على السّودان، عندما يكون ردّ الوزير السّوداني (الصّادق عمارة) على مثل قوله ذلك: "... فهذا صحيح لكن العالم يتحرّك ونحن لا نتحرّك ..". تُرى من يعني بقوله "نحن"؟ هل يعني مصر (الدّولة المؤَمّنة) أم تُراه يعني السّودان (الدّولة المُكفّنة)؟


دعك من أرقين، فالأمر كلّه استيطان

رفع العديد من الخبراء والباحثين بالمركز صوتهم متسائلين عن الضّمانات في ألاّ تعصف متغيّرات السّياسة السّودانيّة بهذا المشروع الاستيطاني الذين نطقت به السّطور دون أن يجرؤ أحد على ذكر كلمة استيطان. فإذا لم يكن الموضوع كلّه استيطانيّاً، فكيف بالله يمكن فهم ما قاله محمود مراد: "ربّما أضيف أنّه سيجري تخطيط المنطقة وتقسيمها وتحديد مساحتها ..". وهذا القول قد يبدو متناقضاً بالإشارة إلى أنّ مساحة المنطقة هي التي بدأ بها المشروع كلّه، وهي 6.1 مليون فدّان (أو 1.6 مليون فدّان). وفي الحقيقة تتضارب الأرقام بين إفادة مسئول وآخر، مصريّاً كان أم سودانيّاً. لكن تبقى الحقيقة في أنّ المنطقة المقصودة هي الحوض النّوبي والذي تفوق مساحته العشرة مليون فدّان "جاهزة"، باستخدام ألفاظ الوزير الصّادق عمارة. فالمساحة التي ذُكرت هي نقطة البداية، حيث من المخطّط أن تتوسّع لتشمل مساحات أخرى. 

في هذا، تُذكر قرية أرقين للتّمويه، مع أنّها معنيّة بجزء خطير في هذا المخطّط، إذ إنّها هي التي ستكون حاضرة المستوطنة المصريّة داخل الأراضي السّودانيّة، وذلك لسهولة حمايتها بحكم أنّها "... تقع على حدود مصر مباشرةً بمسافة عدّة أمتار"، باستخدام ما نُسب من ألفاظ لوزيرنا الصّادق عمارة. ويقول محمود مراد عن الخطط المصريّة لأرقين المسكينة: "وإنّ أرجين يمكن إعادة تخطيطها لتكون مدينة حاكمة للمنطقة، أو المركز الحضاري لها يضمّ الخدمات الرّئيسيّة المختلفة من مستشفيات ومدارس وبنوك ومراكز ثقافيّة وتجاريّة وترفيهيّة وغيرها .. علاوة على ما يمكن أن ينشأ وسط هذه المساحة الضّخمة من تجمّعات سكنيّة بخدمات ...".

ويخلق هذا القول لبساً مقصوداً، إذ يُشير في ظاهره إلى أنّ قرية أرقين موجودة على الأرض، الأمر الذي يُتيح لنا أن نُعيد تخطيطها. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع أنّ أرقين القرية تقبع تحت عشرات الأمتار في عمق البحيرة، وعلى الشّاطئ لا توجد الآن إلاّ الأرض اليباب، والتي لا تزيد رقعتُها عُرضاً عن مئات الأمتار، وذلك لأنّها تقع داخل مثلّث سرّة، أي النّتوء الذي يعلو مدينة وادي حلفا فوق خط العرض 22 درجة. وللعلم، كلّ هذا المثلّث وأزيد (أي إلى جنوب خط 22 درجة) لا تزال مصر تحتلّه منذ عشرات السّنوات وإلى الآن. وعلى أيٍّ، فمثل هذه المنطقة لا يُعاد تخطيطها، بل يُشرع في تدشين تخطيطها. ولهذا نرى أنّ الكلام يشير بوضوح إلى الخطّة الاستيطانيّة، أللهمّ إلاّ إذا أراد لنا المسئولون أن نرى الله عزّ وجلّ عياناً بياناً كيما نؤمن به. ثمّ لماذا يتكلّم القوم المؤتمرون عن أنّه: "... سوف توجّه الحكومة السّودانيّة ـ عن طريق وزارة الزّراعة وفق ما قال الدّكتور صادق عمارة ـ دعوات رسميّة إلى كلٍّ من: الدّكتور مهندس محمّد إبراهيم سليمان وزير الإسكان والمرافق العامة والمجتمعات العمرانيّة، والدّكتور مهندس محمود أبو زيد وزير الموارد المائيّة والرّي، والسّيدة فايزة أبو النّجا وزيرة التّعاون الدّولي، والمهندس أحمد الليثي وزير الزّراعة، والدّكتور عصام شرف وزير النّقل وإلى عدد من المسئولين لزيارة منطقة أرقين الشّهر القادم وتفقّدها والاتّفاق على خطوات تنفيذيّة للمشروع ...". أنظروا كيف تحوّلت قرية أرقين الصّغيرة هنا إلى "منطقة".

ثمّ فلننظر كيف تكشف لنا خائنةُ الألسن ما تواطأ علي كتمانه القوم المؤتمرون. فالسّيدّ محمود مراد لا يتكلّم عن تجمّع سكني واحد هنا، حتّى نحسن به الظّنّ فنعتقد أنّه يتكلّم عن أرقين، القرية الصّغيرة التي ابتلعتها أمواه بحيرة النّوبة. يا سادتي الرّجل يتكلّم عن تجمّعات سكنيّة يمكن أن تنشأ في هذه المساحة الضّخمة. فإذا كانت أرقين غير موجودة على الأرض، عليه يمكن لأيّ كائنٍ أن يستخدم اسم "أرقين" ليعني به كلّ المنطقة الممتدّة من حلفا صعوداً إلى دنقلا جنوباً ثمّ نزولاً بزاوية منحرفة شمال غرب إلى جبل عوينات، ثمّ إلى حلفا مرّة أخرى. فمن الذي يمكنه أن يثبت أنّ هذه المنطقة ليست أرقين طالما أنّه لا توجد أصلاً أرقين. فأرقين الأصليّة غير موجودة على الأرض. ولكن ماذا عن الضّمانات؟ هذا ما سنراه أدناه.


الضّمانات ... الضّمانات!

تجاوب صدى "الضّمانات" بين أركان النّدوة المحضورة في مركز الأهرام، وقد تركّزت بشكل خاص حول "مدّة الانتفاع" بالأرض، وكيفيّة جعله "ملكيّة الأرض". وقد استندت الشّرعيّة الرّسميّة على ما يُعرف باتّفاقيّة الحريّات الأربع، التي داوم العديد من المؤتمرين على الاستشهاد بها حتّى ظنناها أمراً مُنزلاً من السّموات العُلَى. من ذلك مثلاً ما قاله الدّكتور حلمي الحديدي: "إنّ مصر والسّودان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً وينبغي تدعيم هذا وتعميقه رسميّاً وشعبيّاً .. ومن هنا فإنّني أتحفّظ على مسألة ’حقّ الانتفاع‘ وأرجو أن تُفكّر الحكومة السّودانيّة في حقّ التّمليك وفق اتّفاق الحريّات الأربع .. ثم ما هي الضّمانات للاستمرار بهذا الحماس وعدم حدوث مخاطر للاستثمار؟! ونقطة ثالثة فإنّني أرجو أن تكون هذه المنظقة للتّكامل المصري السّوداني لمشروعات مصريّة سودانيّة فقط دون دخول مستثمرين آخرين ..".

إذن فلا بدّ من تدعيم هذه العلاقات الأزليّة رسميّاً وشعبيّاً! حسناً، لكن حتّى الآن لم يأت ذكر لأيّ مستثمر سوداني، دع عنك أهل الأرض المغيّبين. وقد صدقت مجموعة العمل النّوبي عندما قالت في مذكّرتها بأنّ الموضوع كلّه قد أُبرم بليلٍ دون أن يُشار فيه إلى النّوبيّين ولو من قبيل المجاملة (هذا باستثناء الإشارة المنسوبة للوزير الصّادق عمارة إلى أنّ منطقة أرقين بها تجمّعات قبائل نوبيّة، كما لو كانوا من شُذّاذ الآفاق).

ولا ندري هل قام السّيّد الوزير (حينها) الصّادق عمارة بتصحيح معلومة أنّ الدّولة في السّودان لا تملّك الأرض المستثمرة زراعيّاً، إن هي إلاّ حيازة منفعة لأجلٍ معلوم، أم لا. ولننظر إلى هذا الجشع المصري الذي لا يعرف الشّبع؛ فاتّفاقيّة الحريّات الأربع ساوت بين المصري والسّوداني من حيث مدّة الانتفاع بالأرض الزّراعيّة للاستثمار، ولكنّ القوم يريدون أكثر من ذلك؛ يريدون فرماناً من الباب العالي بملكيّة الأرض لتكرار سيناريو إسرائيل والفلسطينيّين، وهذا كلّه تحت دعاوى تمتين العلاقات والصّلات شعبيّاً ورسميّاً. ومع هذا لا نجد ذكراً لأهل الأرض الأصليّين. ثمّ يزداد الجشع الذي لا يعرف الحدود (أو الاختشا)، فإذا بالقوم يُطالبون بأن ينكفئ المشروع على السّودانيّين والمصريّين فقط فلا يدخل ثالث بين التّفّاحة وقشرتها. وتكمن النّكتة هنا في أنّه إذا كان السّودانيّون أهل الحقّ المطلق في هذا الأمر لم يتمكّنوا من الدّخول، فكيف بالله يتمكّن الآخرون من ذلك؟ لكن الموضوع ليس بهذه البساطة، فهو يعني بالنّسبة للمصريّين (بكلّ بساطة ـ باستخدام الألفاظ المنسوبة إلى الوزير الصّادق عمارة) الآتي: الآن وقد ضمنّا إبعاد أيّ سوداني من المشروع، علينا استخلاص الضّمانات بألاّ يُسمح لأيّ جهة أخرى غير مصريّة (ليبيّة مثلاً) بالدّخول في هذا الموضوع. هنا يتدخّل عرّاب النّدوة السّيّد محمود مراد مقدّماً ضمانات لا نعلم مصدر التّخويل أو التّفويض فيها، وهو المصري وليس السّوداني: "بالنّسبة للتّمليك، فهذا يُدرس وفي رأيي فإنّه سيتقرّر [كذا] ولكن المتاح الآن ليس مُضرّاً [كذا] فإنّ حقّ المنفعة [القائم على مساواة حقّ المواطن المصري بالسّوداني] يتجدّد ويمكن النّصّ على هذا، وبالنّسبة للضّمانات فهذا حقّ وللمستثمر أن يطلب ما يشاء [كذا] من ضمانات قانونيّة وضدّ مخاطر الاستثمار ... أمّا عن اقتصار المنطقة على المشروعات المصريّة السّودانيّة فقط فهذا صحيح ولذلك ندفع بالمستثمرين .. لكن إلى متى؟".

لكن هذا ما قال به القوم الجِشاع؛ تُرى ماذا قال وزيرنا إن كان قد قال شيئاً؟ هنا إسمحوا لي، سادتي، أن أنقل إليكم ما أورده موقع مركز الأهرام بخصوص هذه الجزئيّة نقل مسطرة. بعد حديث محمود مراد أعلاه، وتقديمه لهذه الضّمانات المجّانيّة باسم حكومتنا الموقّرة، جرى الحديث على النّحو التّالي:

الدّكتور صادق عمارة: أضيف إلى ما قاله الأخ محمود .. إنّ حقّ الانتفاع يمكن أن يمتدّ لمدّة تسعة وتسعين عاماً .. وأقول إنّ زراعة أراضي هذه المنطقة غير مكلّف ـ وأنا فلاّح ودارس للزّراعة ـ إذ يمكن أن نزرعها فوراً .. وعن اقتصارها على مشروعات مصريّة وسودانيّة فهذا صحيح لكن العالم يتحرّك ونحن لا نتحرّك ..

أشرف عبادة: ربّما يكون من الأوفق تأسيس شركات مصريّة سودانيّة مشتركة للعمل ..

صلاح الملّيجي: كنتُ أودّ التّركيز على موضوع الضّمانات ..

الدّكتور صادق عمارة: الضّمانات القانونيّة موجودة ومستعدّون لأيّ ضمان .. وأكرّر أنّنا سنتكفّل بكلّ الطّرق الرّئيسيّة والفرعيّة وبشبكة الكهرباء .. وشبكة الرّيّ .. وأكرّر أنّ حقّ الملكيّة ستكون للمصريّ مثل السّوداني. ومثلاً فإنّ حقّ ملكيّة المنفعة لغير السّوداني تكون في حدود ثلاثين سنة .. أمّا بالنّسبة للسّوداني والمصري ـ مثله ـ فهي في حدود خمسين سنة ويمكن أن تكون تسعاً وتسعين سنة .. والسّعر يكاد يكون مجّاناً ... .

(9)


مصر المؤمّنة أولاً ... ثمّ بعد ذلك يأتي السّودان

إذن يا سادتي فقد ساوت حكومتنا بين السّوداني والمصري، إلاّ أنّ المصري يطلب أكثر من ذلك، وحكومتنا تعده بإعادة النّظر بعين العطف. أكثر من ذلك ستقوم حكومتنا من مال دافعي الضّرائب بتمويل المشروع من طرق رئيسيّة وفرعيّة وشبكة ريّ، ثمّ شبكة كهرباء، كلّ ذلك لصالح المواطن المصري (المغلوب على أمره)، ودون أن يكون للمواطن السّوداني أيّ عائد من هذا المشروع "الضّخم" (باستخدام ألفاظ العديد من الخبراء المصريّين بالنّدوة).


لا أفارقة بعد اليوم ... مصريّون ... مصريّون!

وهذا قولٌ هتافيٌّ ما كان أغنانا عنه لو أنّ ساستَنا أطاعوا الله فينا. وما كنّا لنقف عند هذا لولا أنّنا رأينا الأمر كما لو كان منسّقاً بين العديد من الجهات الرّسميّة وغير الرّسميّة. فبعد حديث الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين (وزير الدّاخليّة) بحوالي الشّهر، أي تحديداً في يوم الأحد 8 فبراير 2005م الموافق 17 ذا الحجّة 1424هـ طالعتنا جريدة الرّأي العام [عدد 2351، ص 9] بالحلقة الأولى من مقال للأستاذ محمّد سعيد محمّد الحسن بعنوان: الوجود المصري المكثّف يصوّب الخطأ الفادح ويعيد التّوازن السّكّاني .. التّسريع بتفعيل "الحرّيّات الأربع" بوادي النّيل، والعنوان وحده يشي بمحتواه لدرجة ربّما ما كانت لتحوجنا إلى التّعليق عليه. ومع ذلك لا بأس من الإشارة لبعض الفقرات المحوريّة التي اشتمل عليها هذا المقال العجيب الذي أغضب النّوبيّين حتّى زعم البعض منهم أنّه يشتمّ فيه رائحة العمالة.

بالطّبع يبدأ المقال بالتّعويل على اتّفاقيّة الحريّات الأربع، وتحديداً للانطلاق منها لتسويغ استيطان ملايين المصريّين ليس بشمال السّودان فحسب بل في مناطق أخرى، بالضّبط مثلما نُسب للسّيّد الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين. ويستخدم الكاتب في ذلك صياغات خطابيّة مصريّة عند تناول الشّأن السّوداني من قبيل (وادي النّيل)، (الجنوب) لدى الإشارة إلى السّودان، مغلّفاً أهدافه بورق الكلام الأصفر. نقرأ في المقال: "إنّ التّداخل البشري بين شطري وادي النّيل ينبغي أن يأخذ الأسبقيّة الأولى لأنّه ضروري للجنوب بمثلما هو ضروري للشّمال فهو عصب العمليّة التّكامليّة والوحدويّة على حدٍّ سواء لأنّ التّواصل الإنساني والتّعامل المباشر وحده يؤمّن الجسر المشترك ويقوّي الوشائج ولتسهيل هذا الجانب فينبغي التّعجيل برصف طريق بورسودان ـ السّويس (نحو 280 كيلو متراً) أي أقلّ من المسافة بين الخرطوم وعطبرة الذي تقطع الآن في أقلّ من أربع ساعات وهذا وحده كفيل بتحقيق حلم ظلّ على مدى حقب بعيدة يراود أهل شطري وادي النّيل وسيجعل الانتقال سهلاً وممكناً ومتاحاً للجميع ...".

ولننظر إلى القوم كيف يستكثرون على أنفسهم كبر مساحة السّودان، كأنّما لو كانوا غير جديرين بها، بل أولى بمثل هذه المساحة الرّحيبة الجارة العزيز، مصر المؤمّنة. وفي الحقيقة هذا الكلام لا علاقة له بكلام أهل السّودان البسطاء، ممّن حباهم الله رجاحة العقل باعتبارها حسّاً عاماً لا يحتاج إلى شهادات أو مدارس. كما لا يشبه كلام أهل السّودان من كتبة الصّحف عموماً إلاّ في استخدامه لإزميل فدياس في تدمير تماثيل الكلام بدلاً من نحتها به. لاحظوا خلوّ المقال من حركات التّرقيم من نقطة وشولة، إلخ، فضلاً عن ركاكة مركّبة لا يمكن للكاتب (وقد سلخ أكثر من أربعة عقود في مهنة الصّحافة، فتصوّر!) أن يعرف منها فكاكاً حتّى لو استقبل من أمر تعليمه ما استدبر، ولله في خلقه شئون. فلننظر يا سادتي إلى هذا القول النُّكْر: "... فلدى السّودان موارد هائلة وأرض شاسعة وممتدّة خصبة وثريّة ولدى مصر خبرات وإمكانيّات ضخمة ولكن الأرض الزّراعيّة في مصر ظلّت منذ عهد الفراعنة محدودة ولم تتجاوز الخمسة ملايين فدّان واستطاع الفلاّح المصري بالخبرة المتوارثة والقدرات المتعدّدة المتاحة المثابرة على الزّراعة وتكثيف الإنتاج لتغطية احتياجات سكّان مصر الذين ارتفع تعدادهم من 25 مليون نسمة في حقبة الخمسينات إلى 70 مليون نسمة مع مطلع الألفيّة الثّالثة وتمكّنت الدّولة المصريّة من قهر الصّحراء وشقّ القنوات ومدّها بالمياه واستصلاح الأراضي عبر جهد خارق وأموال طائلة ولكن كلّه لم يحقّق سوى مليوني فدّان واتّسعت المساحة إلى سبعة ملايين فدّان ومثل هذه الفدادين توجد أضعافها في الشّمال والوسط وفي الشّرق وبوجه خاص منطقة طوكر، والسّودان يمتلك أراضي زراعيّة ذات خصوبة عالية ... إنّ الأراضي الخصبة في السّودان تعوزها الأيدي الزّراعيّة ذات الخبرة والدّراية والتي بمقدورها تحويل الأرض من تراب إلى تبر وليس هنالك أفضل ولا أكفأ من الخبرة المصريّة العريقة المتمثّلة في الفلاّح المصري ولكن قدوم المصريّين لن يتيسّر بالكلام الطّيّب ولا بالتّمنّيات ولا بوجود مثل هذه الأراضي الجيّدة الثّريّة إنّما بتوفير الاحتياجات والخدمات الضّروريّة من المياه النّقيّة والكهرباء والتّعليم والعلاج والسّكن والأسواق في المناطق المعدّة للزّراعة وإيجاد الصّيغة الملائمة والجاذبة للتّمليك أو الشّراكة للقوى المنتجة، إنّ دولاً مثل تونس والعراق أعطتهم الأرض والسّكن مجّاناً للوصول إليها والتّفرّغ للزّراعة".

ثمّ فلنُعِد الكرّة فيما يمكن أن يعتبره البعض توارد خواطر (رسميّة وشعبيّة) بين ما قال به الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين والأستاذ محمّد سعيد محمّد الحسن فيما يخصّ تزايد وتيرة تعداد شعب مصر، وكأنّما السّودان هو المسئول عن دفع فاتورة هذه التّكلفة السّكانيّة. ثمّ فلننظر إلى هؤلاء الذين يبكون بدموع التّماسيح شفقةً على مصر من رُزء أصلابها. وللمرء أن يتساءل: لماذا تتكبّد الدّولة بالسّودان كلّ هذه التّكاليف من أجل أبناء شعب آخر وهي التي لم تفعل ذلك لشعبها؟ ولكن، يا سادتي، هل فعلاً يعني الكاتب أن تقوم الدّولة السّودانيّة بدفع تكاليف توطين ملايين المصريّين من مال دافعي الضّرائب السّودانيّين؟ الإجابة على هذا السّؤال وقعنا عليها طبعاً في تلافيف الحديث الذي نُسب إلى الدّكتور الصّادق عمارة، أعلاه.

نعم، لقد صدق كاتب المقال في مسألة استجلاب العراق ودول أخرى للفلاّحين المصريّين إلى أرضهم؛ لكن الكاتب أحجم عن أن يحكي لنا إلى ماذا انتهت فصول ذلك الاستيطان. فقد سُحل المصريّون في شوارع العراق حتّى تمّ إجلاؤهم عن آخرهم. ومع رفضنا لما قام به العراقيّون في ردّة فعلهم إزاء الفلاّحين البسطاء، لا نملك إلاّ أن نُحمّل مسئوليّة ما حاق بالفلاّحين على نظامي القاهرة وبغداد. الأول على تكالبه على كلّ شبر من الأرض قد يُتيحه له أيُّ نظام حكم غير مسئول؛ والثّاني على تفريطه في مكتسبات شعبه. فهل هذه تجربة مثلى كي يُضرب بها المثل من قبل كاتب مرموق (أو قُل: مرقوم) ومخضرم (أو قُل: مُخَدلج، وهي لغة في التّخديج) مثل الأستاذ محمّد سعيد محمّد الحسن، الذي يقول بعد ذلك قولاً نُكْراً على نُكر ما قال به أعلاه، ممّا عدّه الكثير من النّوبيّين على أنّه مجرّد بوّابة مخلّعة الأبواب في دهليز "الدّهنسة" و"مسخ الجوخ"؛ ولا يُلام النّوبيّون في ذلك حتّى لو اشتطّوا: "إنّ تطبيق "الحريّات الأربع" التّنقّل والإقامة والعمل والتّملّك ينبغي أن يتمّ بشكل فوري على الأرض التي طال شوقها وانتظارها لقدوم أهل الخبرة والخضرة في الشّمال [يعني بـ "الشّمال" هنا "مصر" طبعاً]". وفي نهاية المقال يقذف الأستاذ محمّد سعيد محمّد الحسن ببرقع الكلام بعيداً ليكشف عن وجه قميء في باب العلاقة بين مصر والسّودان، من جانب، حيث يطالب بتوطين ملايين المصريين وبالمكشوف، ثمّ في رؤيته، من جانب آخر، لإخوةٍ لنا سودانيّين حفظونا وحفظوا سوداننا وسودانهم عبر السّنين والقرون وما بدّلوا تبديلا، ألا وهم السّودانيّون الذين تعود بهم أصولهم إلى غرب أفريقيا، فحُقّ لنا أن نحفظهم في بلدهم وبلدنا السّودان وفاءً وإكراماً، إلاّ من أضلّه الله فلن تجد له من هادٍ. وهذا ما يعود بنا إلى الكلام المنسوب للواء عبد الرّحيم محمّد حسين ثمّ الكلام الوارد في الوثيقة الرّسميّة الخاصّة بوزارة الدّاخليّة المشار إليها أعلاه. يقول الأستاذ الصّحفي المخضرم: "إنّ التّسريع بتطبيق "الحرّيّات الأربع" وبوجه خاص ما يتعلّق بانتقال الزّراعيّين المصريّين نحو الشّطر الجنوبي [كذا] سيحقّق مزايا ومكاسب واسعة في وادي النّيل ليس على مستوى الإنتاج والتّوسّع الزّراعي وإقامة المناطق المنتجة الجديدة وإنّما على مستوى تحقيق التّوازن السّكّاني .. [استخدام النّقطتين كأسلوب ترقيمي ورد في الأصل] لقد عمدت الإدارة البريطانيّة إبّان حكمها للسّودان إلى إعادة المصريّين العاملين فيه إلى مصر وحظرت دخولهم تماماً إلاّ بإذن خاص ويقتصر على مسئولي الحكومة المصريّة بينما فتحت للهجرة البدائيّة [كذا] الوافدة من الدّول الأفريقيّة المجاورة الحدود ومنافذ العبور وشجّعت إقامتهم ثمّ جاء الحكم الوطني وبعقليّة قاصرة أغدق على جموع الوافدين "الجنسيّة السّودانيّة" لضمان أصواتهم في الانتخابات العامّة وتمّ ذلك إبّان حكومة السّيّد عبدالله خليل سكرتير عام حزب الأمّة وذلك في أعوام 1956 و1957 و1958 واستقرّوا وتوالدوا وتكاثروا [لم يبقَ إلاّ أن يقول "كالبعوض أو الذّباب"] في مناطق عديدة والأرض الرّحبة تسعهم وينبغي أيضاً أن تسع غيرهم أي قدوم الملايين من مصر لأهداف وأغراض متعدّدة منها أنّ استقرارهم في جنوب الوادي يحقّق المعادلة الصّحيحة للتّوازن السّكّاني والحيلولة دون الاختلال".

كذا إذن! أليس ذلك أدعى للنّاس كيما يصدّقوا مذكّرة مجموعة العمل النّوبي عندما قالت بأنّ المسألة كلّها مبنيّة على رؤية عنصريّة تنظر إلى السّودان باعتباره بلداً ينبغي أن يكون للعرب فيه اليد الطّولى من حيث السّكّان والسّلطة والثّروة، ثمّ الثّقافة؟ وفي الحقّ، إذا كان جميع هؤلاء النّاس، وغيرهم كُثر، يتكلّمون بهذه الطّريقة من تلقاء أنفسهم وبالأصالة عمّا بدوخلهم، إذن فما أسعد مصر المؤمّنة بحبّ بعض أبناء السّودان وإيثارهم لها عن بلدهم المغبون. أنظروا إلى الأستاذ الصّحفي المخضرم محمّد سعيد محمّد الحسن كيف ختم الجزء الأوّل من مقالته التي سَلَحَ بها على رؤوسنا دون استحياء (ومن لم يستحِ، فليفعل ما يشاء): "ثمّ نأتي إلى دور مصر في عمليّة سلام السّودان وتأمين واتّفاقيّة [كذا] الدّفاع المشترك ووجوب استردادها واستعادة فعاليّتها واتّفاقيّة مياه النّيل وإعادة الحياة والكثافة السّكّانيّة في منطقة حلفا القديمة كضرورة إستراتيجيّة ...". كذا إذن! فإعادة الحياة والكثافة السّكّانيّة في منطقة حلفا القديمة التي اشترط المصريّون إفراغها من سكّانها الأصليّين قد أصبح حقّاً إستراتيجيّاً لمصر!

هذا ما كان من أمر صحفي يفترض فيه أنّه يكتب من منطلق حرّيّة الفكر والأمانة المهنيّة. الآن دعونا نتأمّل بإيجاز ما قاله أحد رجالات الدّولة، ألا وهو السّفير عزّالدّين حامد، (السّفير بمجلس الصّداقة الشّعبيّة وهو مؤسّسة رسميّة). طالعتنا جريدة الرّأي العام الصّادرة بتاريخ الأحد 18 أبريل 2004م الموافق 28 صفر 1425هـ (وهو اليوم الذي قدّمت فيه مجموعة العمل النّوبي مذكّرتها لكوفي عنان)، صفحة رقم 3، بخبر تنظيم ندوة حملت العنوان التّالي: العاطفة أم المصلحة .. تحكم علاقات مصر والسّودان؟ حوار مثير في ندوة مهمّة بالخرطوم ناقشت الآمال والآلام؛ وقد جاءت النّدوة التي استمرّت لمدى يومين بقاعة الصّداقة بتنسيق مشترك بين المركز السّوداني للخدمات الصّحفيّة (وهذا مركز مرفوعة في وجهه تهمة انتمائه إدارةً وتأسيساً لجهاز الأمن السّوداني، وهو ما ينفيه المركز بلا طائل) امتداداً لندوات مماثلة أقامها بالقاهرة مركز الأهرام سابقاً. وعلى هذا قام السّيّد محمود مراد (تاني!) بإعداد مضابط النّدوة للنّشر. يقول الصّحفي الذي أعدّ النّدوة، السّيّد محمود مراد: "وشارك في إدارة الجلسات شخصيّات لها ثقلها مثل البروفيسور علي شمّو رئيس المجلس القومي للصّحافة والمطبوعات وزير الإعلام والثّقافة الأسبق، والبروفيسور حسن السّاعوري، والدّكتور حسين سليمان أبو صالح وزير الخارجيّة الأسبق، وتحدّث في النّدوة عدد من الشّخصيّات البارزة مثل الدّكتور مجذوب الخليفة وزير الزّراعة والغابات، والزّهاوي إبراهيم مالك وزير الإعلام، والدّكتور كمال علي محمّد وزير الرّيّ، والبروفيسور بركات موسى الحوّاتي عميد كلّيّة القانون جامعة جوبا والدّكتور أحمد دياب أستاذ التّاريخ وعدد من القيادات السّياسيّة والفكريّة والإعلاميّة ...".

(10)

دار النّدوة

تميّزت الإفادات المنسوبة للمشاركين في النّدوة، وأغلبهم من السّودانيّين، بتحيّزها الواضح لمصر، عدا إفادة واحدة احتجّت على صعوبة إجراءات حصول السّودانيّين لتأشيرة الدّخول لمصر، وذلك في ظلّ الزّخم المرتبط باتّفاقيّة الحريّات الأربع (وهو ما سنأتي له لاحقاً). في سياق هذه النّدوة نُسب إلى السّيّد السّفير عزّالدّين حامد قوله بعد إشارته للعديد من أشكال التّكامل التي تمّ التّوقيع عليها رسميّاً بين السّودان ومصر: "... ما يحدث من تكامل الآن لم يخرج عن إطار العلاقات الثّنائيّة. ولتحقيق ذلك [أي التّكامل الحقيقي] لا بدّ من أن تكون الأسبقيّة الأولى في الاتّجاه للأمن الغذائي والتّكامل الزّراعي والتّوسّع في زراعة القمح في الإقليم الشّمالي من السّودان لتشجيع الفلاّح المصري لعبور حدود الإقليم الشّمالي لإحداث توازن في التّركيبة السّكّانيّة التي تفقد الإقبال من الدّول العربيّة خاصّة مصر بينما كلّ دول غرب أفريقيا عرفت طريقها إلى السّودان منذ أمدٍ بعيد".

وكيفما كان هذا الاتّجاه مشحوناً بالعنصريّة ومجافاة حقيقة الهويّة السّوداء لأهل هذا البلد الذي ظلّ اسمه مرتبطاً باللون الأسود منذ فجر التّاريخ إلى لحظتنا الرّهنة ـ كيفما كان كلّ هذا، تبقى حقيقة من الصّعب المغالطة أو المماحكة فيها، ألا وهي أنّ مسألة "إحداث التّوازن في التّركيبة السّكّانيّة والوافدين من دول غرب أفريقيا" تمثّلان جملتين مفتاحيّتين اجترحهما المسئولون الرّسميّون في السّودان لتوصيف الوضع في المنطقة الشّمالية التي هُجّر منها أهلها بعيد تشييد السّدّ العالي، أو هاجروا منها فيما بعد جرّاء الدّهورة التي نجمت عن التّهميش ببعديه التّنموي والثّقافي. ومن الواضح عند مسئولينا أنّ تحقيق هذا التّوازن يتمثّل في استقدام ملايين المصريّين من دون النّوبيّين، مصريّين كانوا أم سودانيّين. وهذا الإقصاء لا يمكن فهمه إلاّ في إطار أنّ المسألة كلّها لا تقوم على مجرّد ملء الفراغ البشري، بل إحداث تغيير في التّركيبة العرقيّة والثّقافيّة، الأمر الذي يبرّر استبدال العنصر الأفريقي الأسود بعنصر عربي جديد، وهذا هو مناط الإشارة إلى من يسمّيهم المسئولون الرّسميّون بجملة "وافدي غرب أفريقيا". وفي هذا يجد المسئولون الرّسميّون من يشايعهم ويحرق لهم البخور من لفيف الأكاديميّين والصّحفيّين وغيرهم. وإلاّ، فانظروا إلى هذا الأفريقي الأسود كيف يُعلي من شأن مصر ويُزري في المقابل من شأن أفريقيا السّوداء، ألا وهو الدّكتور أحمد دياب (أستاذ التّاريخ)، في نفس النّدوة المشار إليها أعلاه: "إنّني من الذين لديهم محبّة شديدة لمصر وأرفض كلمة علاقات لأنّه يمكن أن يقال العلاقات مع الهند أو يوغندا مثلاً .. لكن علاقات مع مصر فهذا ما لا أقبله لأنّ الذي بين مصر والسّودان روابط دم وتمازج قديم". فهل تُرى لم يجد الدّكتور أحمد دياب (أستاذ التّاريخ) من يذكّره بأنّ علاقات السّودان ويوغندا بالنّسبة للقبائل النّيليّة مثل الأشولي وغيرها كثير (دع عنك عموم أهل السّودان الذين لا يرون غضاضة في أن يكونوا أفارقةً سوداً)، وهي نفس القبائل المنقسمة حدوديّاً بين البلدين وتصعد حتّى كينيا، تمثّل أيضاً روابط دم وتمازج قديم؟ فمثل هذه المعلومات الأوّليّة لا يمكن الزّعم بغيابها عن واعية أستاذ التّاريخ، لكن إن هي إلاّ غيبوبة المحبّ في لحظة الجذب، فتصوّر! هذه المسألة يا سادتي لا يمكن فهمها إلاّ في إطار حالة الاستلاب التي تجتاح بلادنا، فتعصف بتوازن أناسٍ ربّما نالوا مرتبة عالية في العلم والسّلطة والثّروة، فإذا بهم ينفرون من صحوة هويّتهم الأفريقيّة الغرّاء ليدخلوا بملء إرادتهم في غيبوبةَ نُشدانهم لهويّةٍ عربيّة ما واتاهم بها المولى عزّ وجلّ، والله ذو الفضل العظيم. ولعمري هذا أبغض مراحل العنصريّة، وذلك عندما يشتطّ تيّار عنصري بعينه، حتّى يُفقد حملةَ العنصر المغاير احترامهم لأنفسهم كبشر، والعياذ بالله.

ولكلّ هذا لا ينبغي أن نعجب إذا ما طالعتنا بعض الأقلام الظّالعة من السّودانيّين الذين ضرب الله بغشاوة الجهل أو الغرض على قلوبهم. ومن هؤلاء من ذهب به الشّطط إلى حدّ أن يتّهم المجموعات الثّقافيّة المتأثّرة في موقفهم الرّافض لإقامة الخزّاانات بالعنصريّة. وفي هذا يأمل القوم المتآمرون، بناءً على ما قاله هذا أو ذاك، أن يصبح علينا يوم فنجد المتأثّرين (أي الضّحايا) وقد باؤوا بهذه العنصريّة البغيضة زوراً وبهتاناً، وليس الذين يسعون بأيديهم وأقدامهم، ثمّ بأقلامهم، كيما يستقدموا أعراب سيناء (دون السّودانيّين) لملء الفراغ السّكّاني بشمال السّودان التي تمّ إفراغها سكّانيّاً، كلّ ذلك لإعادة التّوازن العرقي بالسّودان وتوزّعه بين العروبة والأفريقيّة بما يضمن تفوّق من استعرب على من لم يستعرب بعد. يا قوم، ما لكم كيف تحكمون! وليس هذا بغريب على مؤسّسة الدّولة المركزيّة في السّودان، وهي التي يا طالما اتّبعت هذا التّكتيك في مواجهتها لمطالب أهل الهامش، إذ تبادرهم بتهمة العنصريّة، وذلك من قبيل الإسقاط؛ فالعنصريّة منها وفيها، وأهلُ الهامش من ذلك براء. في مثل هذا يقول أهلنا من عرب السّودان: "الفيك بادِر بُو"، وقد صدقوا.


دايرين فيزا لي مصر!

رضينا بالهمّ، لكن الهمّ لم يرْضَ بنا

بمجرّد التّوقيع على اتّفاقيّة الحريّات الأربعة بين مصر والسّودان، وفي اليوم التّالي مباشرةً، وصلت إلى مطار الخرطوم، قادمةً من مطار القاهرة، طائرة عليها ما يزيد على الثّمانين راكباً يحملون الجنسيّة المصريّة دون أن تكون معهم تأشيرات دخول إلى السّودان. ومنذ تلك اللحظة لم يعد المصريّون يتمتّعون فقط بامتياز سفرهم من مصر إلى السّودان بدون تكبّد المشاق سعياً للحصول على تأشيرة الدّخول، بل توالت منهم أفواج وأفواج من العمالة التي اكتشف النّاس، فضلاً عن كونها ماهرة، أنّها رخيصة وزهيدة التّكاليف بدرجة غير منطقيّة. ثمّ إن هي إلاّ هذي السّنوات الثّلاث، فإذا بأفواج من المصريّين يملأون شوارع الخرطوم ومدن أخرى نائية مثل كادوقلي وغيرها، وهم يبيعون في الطّرقات ومواقف إشارات المرور الضّوئية العديد من السّلع المحمولة على اليد، وبأسعار أقلّ ما يُقال عنها إنّها زهيدة إن لم تكن مجّاناً؛ من ذلك مثلاً صور مطبوعة على ورق مصقول وخلافها. وقد ظنّ بعض المغفّلين أنّ تلك بشارة وإيذان لخيرات مصر بأن تتدفّق. ولكن بعد زمنٍ وجيز، إذا بهؤلاء الباعة المتجوّلين يقتحمون المكاتب بلا استئذان، عارضين بضاعتهم الزّهيدة والتي لم يرغب فيها السّودانيّون فقط، بل بدا واضحاً أنّ من يقومون بعرضها أنفسهم غير آبهين بها، أباعت أم كسدت. وهنا لا نريد أن نتّصف بسذاجة الطّيّب صالح عندما تساءل أوّل أيّام الإنقاذ: من أين جاء هؤلاء؟ ولا حتّى أن نتساءل: ماذا يفعل هؤلاء؟

ولكن، يا سادتي، ليت الأمر توقّف عند هذا الحدّ! إذن فقد تمّ توقيع اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع المتعلّقة بحريّة التّنقّل، وحرّيّة التّملّك ... إلخ. وبالفعل شرع المصريّون في الاستفادة من الامتيازات التي أتاحتها لهم هذه الاتّفاقيّة التي سعى بها إليهم ساسةُ السّودان وحكّامُه مجّاناً، بل وبحوافزها، مثلما سعى السّادات من تلقاء نفسه إلى إسرائيل؛ فيا للأريحيّة، ومرحى لنا جميعاً. لكن، تُرى هل استفاد السّودانيّون من ذات الاتّفاقيّة؟ طبعاً لا! فقد تعنّت الجانب المصري في إنفاذ الشّقّ الخاص به. وكنت أشرتُ أعلاه إلى أنّ شخصاً ما قد سجّل احتجاجاً بهذا الشّأن في النّدوة المحضورة والتي نظّمها مركز الأهرام بالتّنسيق مع المركز السّوداني للخدمات الصّحفيّة، وهي النّدوة التي أدارها، ثمّ نشر مضابطها في جريدة الرّأي العام (الأحد 18 أبريل 2004م الموافق 28 صفر 1425هـ) الصّحفي المصري محمود مراد. كان ذلك الشّخص هو السّيّد فوزي عبد الرّحيم محمود، وقد شارك بصفته الأمين العام لحزب وحدة وادي النّيل؛ وشخص بهذه الصّفة لا يمكن أن يُتّهم في نواياه تجاه مصر، فهو كمن شهد شاهدٌ من أهلها. قال الأمين العام لحزب وحدة وادي النّيل: "إنّني أتحدّث بعفويّة المواطن العادي الذي حمل جواز سفر عادي وأغضب عندما أرى الإسرائيلي يدخل مصر بدون تأشيرة بينما لا بدّ لي من أن الحصول عليها .. [التّنقيط جاء في الأصل] ...". هنا جاء ردّ منظّم النّدوة الأستاذ محمود مراد مراوغاً وغير صريح، إذ قال مع نفيه بشدّة دخول الإسرائيليّين لمصر بدون تأشيرة: "أمّا عن تأشيرة الدّخول إلى مصر بالنّسبة للسّودان وكذلك للمصري بالنّسبة لمصر .. ف إنّني [كذا] أقول له "إسأل روحك.! وعندما تقول لي الإجابة سأردّ عليك!! ولعلّي أضيف أنّ أصحاب الحالات الخاصّة والمرضى يمكنهم الحصول على تأشيرة لدخول مصر في نفس اليوم .. ورجال أعمال يأخذون تأشيرة متعدّدة السّفريّات صالحة لمدّة ستّة أشهر أي يحصلون على التّأشيرة مرّتين فقط طوال السّنة .. وفي الحالات العاديّة فإنّ المواطن يحصل على التّأشيرة خلال فترة أقصاها خمسة أيّام ..". إذن بينما يدخل المصريّون إلى السّودان بلا تأشيرة، يلزم السّودانيّين (الطّيّبين) أن يحصلوا على تأشيرة، مع تسهيلات واضحة للحالات الإنسانيّة، وبالأخصّ إذا كانوا رجال أعمال، أي أنّ لهم أموالاً ومن المفترض أن يصرفوها في مصر. ولكن ما لم يذكره أنّ النّساء، ولأمرٍ ما، غير مطالبات باستخراج تأشيرة سفر لمصر. فهل نشكرهم على ذلك ببراءة غبيّة، أم نسألهم عن السّبب وراء هذه الأريحيّة من دولة لا تعرف عبر تاريخها العطاء مجّاناً؟ ولكن ماذا عن غمزه ولمزه، عندما قال: "إسأل روحك ... إلخ"؟ هل يعني هذا أنّ السّلطات السّودانيّة هي التي طلبت منهم اتّخاذ هذه الإجراءات، وذلك للحيلولة دون تدفّق السّودانيّين على مصر، مثلما فعلوا أوّل سنيّ الإنقاذ، بما يثقل على كاهل الخزينة المصريّة؟ تُرى هل ذهب المسئولون السّودانيّون إلى هذا الحدّ في حدبهم على مصلحة مصر؟ ولكن هل فعلاً أثقلت هجرة السّودانيّين كاهل الخزينة المصريّة عندما تدفّقوا على مصر من أوائل إلى أواخر تسعينات القرن المنصرم؟ إذا كنت ترغب في الإجابة الشّافية لهذا السّؤال، فعليك أن تقرأ أدناه.

(11)

دايرين فيزا!

ولكنّ مصر لا تجود لنا إلاّ بمقدار

داومت القنصليّة المصريّة بالخرطوم على أن تصادق على عدد 100 تأشيرة دخول في اليوم الواحد فقط ـ ويا للكرم. في هذا يظلّ السّودانيّون البسطاء "ملطوعين" طيلة النّهار، وتحت هجير الشّمس التي لا ترحم، وهم الذين تحسّسوا طريقهم وخطواتهم في ظلام الفجر الدّامس إلى أن وصلوا إلى أعتاب القنصليّة على أمل أن يحصلوا على التّأشيرة. وقد ضجّ السّودانيّون بالشّكوى، وتعالت أصوات الاحتجاج ولا من مغيث. ثمّ أخيرا تحرّكت الأجهزة الرّسميّة "لإحداث توازن في اختلال المعادلة" ـ باستخدام ألفاظ بعض المسئولين والصّحفيّين والعشّاق الولهانين بحبّ مصر المحروسة. ففي عددها بتاريخ الأحد 15 أبريل 2007 الموافق 27 ربيع الأوّل 1428هـ (بالرّقم 3446) وتحت عنوان: إجراءات جديدة لتسهيل دخول السّودانيّين لمصر، جاء في جريدة الرّأي العام ما يلي: "وافقت السّلطات المصريّة على جملة من الإجراءات الهادفة لتسهيل دخول السّودانيّين لمصر وفيما لا تزال بعض الأجهزة الرّسميّة المصريّة تتحفّظ على إنفاذ اتّفاق الحريّات الأربع الموقّع بين البلدين انتهت اللجنة المشتركة بإنفاذ ذات الاتّفاق [كذا] الخميس الماضي بالتّوافق على منح بعض التّسهيلات [كذا] في مجال حرّيّة تنقّل المواطنين السّودانيّين [كذا] أهمّها إعفاء من هم فوق الـ 55 عاماً من تأشيرة الدّخول لمصر ورفع سن الأطفال المستفيدين من التّأشيرة من 14 عاماً إلى 16 عاماً [كذا] ومنح رجال الأعمال تأشيرة دخول متعدّدة لمدّة عام وبحسب مدير إدارة مصر بالخارجيّة [السّودانيّة] السّفير حسن عبد الباقي أنّ الاجتماع وافق على حذف عبارة غير مصرّح له بالعمل من ختم تأشيرة الدّخول [كذا بعد أربع سنوات من التّوقيع على الاتّفاقيّة!]. وأضاف عبد الباقي للصّحافيّين أنّ الجانب المصري وافق [كذا، أي لم يُلزم بموجب الاتّفاقيّة] على منح السّودانيّين إقامة لمدّة ستّة أشهر بمنافذ الوصول المختلفة بدلاً من ثلاثة أشهر ...".

هل نقول "مبروك" على هذا الإنجاز؟ ثمّ كيف بالله جاز لنا أن نقول، معلّقين داخل المتن [... أي لم يُلزم بموجب الاتّفاقيّة]؟ فنصّ الاتّفاقيّة التي طار بها المصريّون من الفرحة، فما حطّوا، تقتضي بأن تُلغى مثل هذه الإجراءات، وهي ذات الإجراءات التي قام الجانب السّوداني بإلغائها فعلاً، الأمر الذي نجم عنه تدفّق المصريّين على بلادنا، وذلك لإحداث توازن إستراتيجي لاختلال المعادلة السّكانيّة. فهل نقول عن الجانب السّوداني إنّنا لا يجب أن نغمطه حقّه إذ فاز بمزية الالتزام بما وقّع عليه؟

ويستمرّ مسلسل المهازل؛ إذ جاء العنوان الرّئيسي في جريدة الصّحافة الصّادرة بتاريخ الجمعة 4 مايو 2007م الموافق 17 ربيع الثّاني 1428هـ يقرأ: "بدء تطبيق الحرّيّات الأربع بين مصر والسّودان"، ذكرت فيه تفاصيل ما قاله القنصل المصري بالخرطوم في مؤتمر صحفي عقده. وقد يذهب الظّنّ بالقاريء البريء إلى أنّ مصر أخيراً قد شرعت فعلاً بتطبيق الاتّفاقيّة بحذفارها، وذلك أسوةً بالسّودان. لكن هيهات لمصر أن تفعل ذلك، حتّى لو خانت الحصّافة (أو قُل: الصّحافة) أقوال الرّسميّين والإعلام بدولة التّمكين الحضاري. فالمؤتمر الصّحفي الذي عقده القنصل العام لمصر بالسّودان لم يزد عن كونه إعلاناً رسميّاً بما ذكرناه أعلاه. ليس ذلك فحسب، بل ذهب القنصل إلى حدّ التّهديد باتّخاذ إجراءات حيال أيّ استغلال سيّء لما سيقومون به، أيّ أن ينكبّ السّودانيّون على مصر؛ أي أن يقوموا بأقلّ ممّا ستقوم به ملايين الفلاّحين المصريّين. فالسّودانيّون في خاتمة المطاف لن يستقرّوا بمصر، بل في أفضل الأحوال قد يجعلونها محطّة وسيطة ريثما يستقرّ بهم المقام في أحد الدّول الغربيّة التي، جانباً عن أنّها قد تنفق عليهم Benefit، يحرص السّودانيّون جرّاء الوضاعة والمهانة التي انتهى إليها حالهم في هذا الزّمن الكالح على أن يحصلوا على جنسيّات الدّول الغربيّة لما في ذلك من حماية مظنونة. في ذلك المؤتمر الصّحفي لم تنقص القنصل المصري الشّجاعة في نفي، وتشديد النّفي، أن تكون مصر قد تلكّأت في تنفيذ اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع، وذلك ردّاً على سؤال تفضّل به أحد الصّحفيّين. فقد ذكر في هذا المقام أنّ السّبب فيما يبدو على أنّه تلكّؤ يعود إلى اختلاف القوانين بين مصر والسّودان، حيث تتّبع الأولى النّظام الفرنسي، بينما يتّبع الأوّل النّظام الإنكليزي. وطبعاً ليس أيسر من الرّدّ على هذا اللجاجة؛ فحقّ الاستقرار وحقّ العمل والتّملك بالنّسبة للمصريّيين في السّودان ممّا لا تسمح به قوانين البلد. ولم تجئ اتّفاقيّة الحريّات الأربع إلاّ لتغيير هذا القانون بما يسمح بعكس ذلك. إذن الأصل في إنفاذ أيّ اتّفاقيّة هو الشّروع فوراً في تعديل القوانين بما يلزم، وربّما إلغاؤها. ولكن لمِ نتكبّد كلّ هذه المشاقّ المنطقيّة في دحض ما دفع به القنصل المصري في مؤتمره الذي عقده؛ دعونا يا سادتي ندفع بما طالب به الجانب المصري وذلك في المباحثات المصريّة السّودانيّة والخاصّة بأعمال اللجنة الوزاريّة المشتركة في دورتها الخامسة التي عُقدت بالخرطوم [راجع جريدة الرّأي العام، الأحد 22 أبريل 2007م الموافق 4 ربيع الثّاني 1428هـ، صفحة 11]. فقد ورد في ذلك الخبر ما يلي: "معظم اهتمامات الجانب المصري في المباحثات انصبّت على اتّفاقيّة الحريّات الأربع خصوصاً حريّة التّملّك والعمل التي طالبوا الحكومة السّودانيّة بمواءمة القوانين والتّشريعات التي تضمن للمواطن المصري حقّ الملكيّة الكاملة في السّودان إسوةً بالسّوداني في مصر".

وطبعا شبعنا من الغباء المهني الذي يُجلّل صفحات جرائدنا، إذ كان من واجب الصّحفيّين الذين ينقلون مثل هذه الأخبار أن يتّصفوا ببعض الذّكاء المهني والكفاءة. فحتّى يوم الجمعة 4 مايو 2007م الموافق 17 ربيع الثّاني 1428هـ (اليوم الذي عقد فيه القنصل المصري بالخرطوم مؤتمره الصّحفي المشار إليه أعلاه) لم تكن مصر قد خفّفت إجراءات دخول السّودانيّين لمصر، كما لم تكن قد رفعت حظر العمل عليهم بمصر. وطبعاً هذا جزء من ثقافة "الكلفتة" الضّاربة بأطنابها؛ ولذا ليست مصر مضطرّة للتّحاذق لتمرير أجندتها ومتناقضاتها طالما لن ينتبه لها أيّ سوداني، لا على المستوى الرّسمي ولا على المستوى المهني المتعلّق بنقل المعلومات وتحليلها كالصّحافة.

وعلى أيٍّ، إذن، فقد رضينا بالهمّ، لكن الهمّ لم يرض بنا!

وليت أمر إخوتنا المصريّين العاملين بسفارتهم بالخرطوم قد وقف عند هذا الحدّ، بل تعدّاه إلى الإساءة والإزراء بالشّعب السّوداني. ففي ندوة عن المياه عقدها بالخرطوم مركز دراسات الشّرق الأوسط وأفريقيا بتاريخ 2/8/2007م بقاعة الزّبير محمّد صالح، "... شنّ السّفير المصري هجوماً صريحاً على مواقف الجماهير السّودانيّة المتضرّرة من السّدود السّودانيّة التي اندلعت هنا وهناك أنّها تنمّ عن عدم وعي بضرورة التّنميّة" [فكري أبو القاسم، "ندوة المياه وعزلة السّفير المصري"، جريدة إيلاف، 10/9/2007م، العدد141، صفحة 11]. ويمضي فكري أبو القاسم في استعراض دلالات هذا الهجوم قائلاً: "كان هذا الموقف المصري منتظراً لأنّ أزمة السّدود برّمتها في السّودان لحساب المصريّين، ولكن الغريب حقّاً أن يتحدّث سفير دولة أجنبيّة بمثل هذه الحرّيّة ويدسّ أنفه في شئون الدّولة المضيفة". ويختم فكري مقاله بنصيحة غالية ليت ولاة الأمر (أو قُل: غلاة الأمر) بمصر والسّودان يعونها؛ فبخصوص مصر يقول: "... التّعلّق بقشّة الحكومات الضّعيفة في السّودان فلن يجديها"، ويقول بخصوص السّودان: "الحكومة السّودانيّة بوضعها الحالي غير مؤهّلة بتقديم تنمية في هذا المجال ولا أن تعطي وعداً بالمؤازرة على حساب العلاقات المحلّيّة وإلاّ كلّ ما سيتمّ لن يتجاوز الحبر والورق".

(12)

أرض السّودان أولى بها مصر من الأفارقة

بين الهوسا والمصريّين

يذهب السّيّد وزير الدّاخليّة في الكلام المنسوب إليه بالموقع الإلكتروني لمركز الأهرام للدّراسات، إلى حدّ التّعريض بأقوام سودانيّين أصلاء، حتّى ليكاد أن يصفهم بأنّهم دخلاء وغرباء، وذلك في معرض بكائه على انحسار الاستيطان المصري بالسّودان: "نجد أنّ هناك هجرات مستمرّة من غرب أفريقيا إلى منطقة دارفور والتي وصلت إلى 7.5 مليون نسمة بينما نجد مجموع المصريّين المقيمين في السّودان لا يتجاوز عشرين ألفاً وأنّ هذا وضع غير طبيعي ولا يتّفق مع ما بين البلدين من وشائج ...". ونشير هنا إلى أنّ منطق المقابلة يقودنا إلى نتيجة طبيعيّة وهي أنّ عدد المهاجرين من غرب أفريقيا والبالغ 7.5 مليون نسمة هو نفسه وضع غير طبيعي ولا يتناسب مع الفروقات العرقيّة والثّقافيّة بين السّودان وبين غرب أفريقيا (التي لا تزال تُسمّى ’بلاد السّودان‘، فتصوّر!). وقد عدّ الكثير من القطاعات النّوبيّة ذلك من المضحكات المبكيات، إذ حكى العديدون منهم كيف جمعهم السّيّد الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين أوائل عام 2002م (وهو إذّاك وزير الدّاخليّة) بإحدى القاعات بالخرطوم ليبشّرهم بأنّهم قد أرسوا الاتّفاقيّات مع مصر لتوطين ملايين الفلاّحين المصريّين بأقصى الشّمالية التي كادت أن تخلوَ من سكّانها الأصليّين (أي النّوبيّين) مقابل ازدياد الهجرة إليها من وافدي غرب أفريقيا. ولهم في ذلك اللقاء حكايات عن السّيّد الفريق لا مجال لذكرها هنا، لكنّها لا تخرج عمّا نُسب إليه أعلاه. فهل هذا يعني أنّ هناك موقفاً سلبياً واضحاً للسّيّد وزير الدّاخليّة (الوزارة المعنيّة بالهجرة) من قطاع عريض (7.5 مليون نسمة) من الشّعب السّوداني؟ هذا بالرّغم من أنّ هؤلاء النّاس الطّيّبين قد هاجروا إلى السّودان منذ أزمان طويلة تصل في الكثير منها إلى نفس المدّة التي تتعلّق بهجرة العرب إلى السّودان.

في تاريخ 15 سبتمبر 2005م صدر عن وزارة الدّاخليّة (وكان عليها الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين)، رئاسة قوّات الشّرطة، الإدارة العامة للسّجلّ المدني، فرع الشّئون القانونيّة، بالرّقم و د/س م/م ت/ الأمر رقم (1) لسنة 2005م الموسوم بعنوان "ضوابط التّحرّي في الجنسيّة السّودانيّة بالميلاد والتّصديق بها"، مصدّقاً عليه من قبل السّيّد/ لواء شرطة علي عبدالله علي (مدير إدارة السّجلّ المدني). ورد في افتتاحيّة ذلك الأمر ما يلي: "حفاظاً على الهويّة السّودانيّة ومنعاً لأيّ شخص من التّمتّع بها دون أن يكون مستحقّاً لها قانوناً وتأميناً وضبطاً للهويّة وتبسيطاً لإجراءات الحصول على الجنسيّة، وعملاً بالسّلطات المخوّلة لي بموجب المادّة (13) (أ) من لائحة الجنسيّة السّودانيّة لسنة 2005م ـ أصدر الأمر الآتي نصّه ...". كما وردت في خاتمة الأمر تحت المادّة (1) الفقرة (ح، 7) ما يلي: "يجب أن يكتب في حالة منح الجنسيّة عن طريق الأم السّودانيّة بالميلاد أو الأبوين السّودانيّين بالتّجنّس أو عن طريق التّوطّن بالسّودان قبل 1956م على شهادة الجنسيّة عند استخراجها وعلى يسار رقم شهادة الجنسيّة عبارة (منحت عن طريق الأم السّودانيّة بالميلاد أو عن طريق الأبوين السّودانيّين بالتّجنّس أو عن طريق التّوطّن بالسّودان قبل 1956م بحسب الحال) باللون الأحمر لتمييزها".

بعيداً عن التّعليق على هذا التّحرّي الدّقيق لمسألة "ما قبل عام 1956م" ثمّ هذا الإزراء المؤسّسي، وبطريقة رسميّة من قبل الدّولة، بأيّ إنسان استحقّ الجنسيّة السّودانيّة عن جدارة كما استحققناها جميعا، دعونا نقف في المادّة (1) الفقرة (ح، 4، ب)، التي جاءت لتحدّد نوع القبائل التي ينبغي للمتحرّي أن يأخذ حذرَه في التّعامل مع أبنائها المطالبين بالجنسيّة السّودانيّة، وتقرأ: "القبائل الوافدة وهي الفلاتا، الهوسا، البرنو" فقط، أي القبائل التي قدمت من غرب أفريقيا، حتّى لو كان قدومُها إلى السّودان قد حدث قبل ألف عام. فكأنّما العربُ في السّودان ليسوا بوافدين؛ وكأنّما أهراماتُ نبتة ومروي قد بناها العربُ في السّودان. ومع هذا، برغم الاشتطاط في العنصريّة والعنجهيّة، كان يمكن لوزارة الدّاخليّة في زمن الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين أن تنال قدراً من الاحترام ولو كان ضئيلاً إذا ما احترمت ما سنّته من تقنين وإجراءات. ففي لقائه المشهود بخبراء مركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة، وفي معرض شرحه للأبعاد القانونيّة والسّياسيّة لمشروع الاستيطان المصري ببلاد النّوبة بشمال السّودان، ورد ما نُسب إلى لسانه ما يلي: "أشار الوزير السّوداني إلى أنّ اتّفاقيّة الحريّات الأربع الموقّعة بين مصر والسّودان والتي تتعلّق بحريّة التّنقّل والإقامة والعمل والتّملّك توفّر إطاراً قانونيّاً مناسباً تماماً لتفعيل إستراتيجيّة التّعاون هذه خاصّة وأنّ السّودان هو الذي بادر بطرح [كذا] هذه الاتّفاقيّة للتّعاون مع مصر ... بالإضافة إلى أنّ القانون السّوداني يسمح بازدواج الجنسيّة كما يمنح حقّ المواطنة بعد الإقامة لمدّة خمس سنوات وأنّه في ظلّ نقص السّكّان في شمال السّودان [ينقطع الكلام هنا ممّا يُشير إلى احتمال الحذف]".

إذن ستُمنح الجنسيّة السّودانيّة للمصريّين بمجرّد أن يقضوا خمس سنوات فقط من عمر استيطانهم الأبدي بالسّودان. ولهم الحقّ، كلّ الحقّ، أولئك النّوبيّون الذين تعجّبوا عن أيّ سودان يتحدّث الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين. ثمّ لهم العتبى، كلّ العتبى، حتّى يرضَوا أولئك السّودانيّون الأعزّاء، الأُصلاء الذين رفدت إلينا بهم سهوب بلاد السّودان وغابات أفريقيا السّوداء وهضابها، إن غرباً أم شرقاً أم جنوباً، ممّن سعت قوانين وإجراءاتُ هذه الدّولة العجيبة إلى الإزراء بهم والتّشكيك في سودانيّتهم. وفي الحقّ فإنّ أهلنا ممّن عناهم هذا الغمز واللمز الرّسمي، لهم أفضال لا تُحصى على بلدنا السّودان، ثمّ على بلاد السّودان جمعاء. ووجودهم في أفريقيا وبلاد السّودان قديم، يعود في أحدثه إلى غزو العرب المسلمين لبلاد المغرب [لمزيد من التّفاصيل، يرجى مراجعة: عبدالله عبد الماجد إبراهيم، الغرّابة: الجماعات التي هاجرت من غرب أفريقيا واستوطنت سودان وادي النّيل ودورهم في تكوين الهويّة السّودانيّة، ط 1، دار الحاوي للطّباعة والتّوزيع والنّشر، 1998؛ محمّد أحمد بدين، الفلاّتة الفلانيّون في السّودان، القاهرة: مركز الدّراسات السّودانيّة، 1996؛ الطّيّب عبد الرّحيم الفلاّتي، الفلاّتة في أفريقيا، مساهمتهم الإسلاميّة والتّنمويّة في السّودان، ط 1، الخرطوم، 1994]. والإزراء الرّسمي وغير الرّسمي بهذه المجموعة الكريمة، والتي تعارف النّاس على تسميتهم بالفلاّتة تارّةً، وتارّةً أخرى بالهوسا، أو الغرّابة، ينطوي على تناقض عجيب. وكنت لاحظتُ أنّ أغلب الذين يستهدفون هذه المجموعات الكريمة من الشّعب السّوداني، يعودون في جذورهم البعيدة أو القريبة إليها، فانظر في ذلك وتأمّل! وهذا يعكس لنا بوضوح حالة الاغتراب والاستلاب التي يعيشها بعض، أو أغلب، أهل السّودان، ممّن كرّمهم المولى بهويّةٍ أفريقيّة سوداء. ولكنّهم لم يرضَوا بما قسمه المولى لهم، فعمدوا إلى التّحايل، فتلبّسوا هويّاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، فغدَوا أضحوكةً بين الأمم، والعياذُ بالله.

ومن أعاجيب هذا التّحامل، وصلته بأفاعيل الأيديولوجيا وقدرتها في تغريب المرء من هويّته، ما كنّا قد أشرنا له في العديد من البحوث والكتابات، من أنّ أغلب من حكموا السّودان خلال المائة سنة الماضية يعودون في أصولهم البعيدة أو القريبة إلى قبائل الفولاني والهوسا، ولو لجّوا في الإنكار. إذن المسألة أصبحت واضحة: إذا أنكرتَ هويّتَك واستبدلتها بهويّة عربيّة، ومن ثمّ سخّرّتَ نفسك لخدمة أغراض الهويّة الجديدة في مجالي السّلطة والثّروة، حتّى لو دفعك ذلك لإعلان الحرب ضدّ الغلابى والمساكين ممّن ينتمون لهويّتك الأصليّة، فإنّك لا محالة ستنال كلا السّلطة والثّروة، دون أيّ اعتبار لأصلك العرقي أو الثّقافي. وهذا لعمري هو المركز الذي أسهبنا في الكتابة عنه، منبّهين إلى أنّه غير عرقي وغير جغرافي، بل مركز سلطوي تسيطر عليه نخبة معدودة من شتيت أمشاجٍ إثنيّة وثقافيّة، وتمارس التّهميش عبر أجندة الثّقافتين العربيّة والإسلاميّة، وهما من ذلك براء.

ويأتي قولي هذا في الإشارة إلى ما يقوله بعض السّودانيّين، ممّن ذهب إلى تبرير استيطان ملايين المصريّين، مقارناً ذلك باستيطان مجموعات الفولاني والهوسا ـ هذا فضلاً عن نعرة عنصريّة بغيضة تصدر من كثير من السّودانيّين، مثقّفين وعامّة، إزاء القوم الطّيّبين، مستبطنين في ذلك ذات الموقف الأيديولوجي الإسلاموعروبي. وهذه غفلة فكريّة وسياسيّة لن يتمكّن السّودانيّون من خوض معاركهم النّبيلة ضدّ المركز، طالما كانوا يستبطنون ذات مواقف المركز العنصريّة الظّالمة. لهؤلاء لا يملك المرءُ إلاّ أن يقول: أللهمّ أدخلنا في زمرة صُرحاء الفولاني، إنّها زمرةٌ طيّبة؛ أخرجنا من زمرة نُكراء الفولاني، إنّها زمرةٌ خبيثة.

كتب بروفيسور الأمين أبو منقة (أستاذ لغة الهوسا والفولاني بجامعة الخرطوم) في صحيفة الرّأي العام بتاريخ 21/10/2008م، تحت عنوان: (الهوسا .. "الحجّ بمشقّة" عامل استقرار في السّودان)، يقول: "وقد رأينا في هذا المقال الوجيز أن أن نلقي قليلاً من الضّوء على مجموعة الهوسا في السّودان وذلك بمناسبة الأحداث التي شهدتها مدينتا القضارف وكسلا في الأيّام الماضية، وهي عبارة عن مظاهرات احتجاج على حديث جارح في هذه المجموعة نُشر في جريدة الأيّام منسوباً للسّيّد رئيس الجمهوريّة. ... أرجو بدايةً أن أنوّه إلى أنّ هذه ليست المرّة الأولى التي نسمع فيها مثل هذا الحديث حول شريحة السّودانيّين الذي تتّصل جذورهم بغرب أفريقيا".

وحقيقة الأمر أنّ مدينة كسلا ومن قبلها مدينة القضارف كانتا قد شهدتا أعمال عنف مصحوبة بالتّظاهر قادها أبناء الهوسا. وهي الأحداث التي أشار إليها وزير الدّاخليّة في تقريره للمجلس الوطني في جلسة الإثنين 20/10/2008م (صحيفة الرّأي العام بتاريخ 21/10/2008م)، حيث اتّهم جهات سياسيّة لم يسمّها بتحريكها. وفي الحقيقة فقد ورد ذلك الحديث المنسوب إلى السّيّد رئيس الجمهوريّة في مقابلة مطوّلة أجرتها معه جريدة الأيّام، ونُشرت في حلقتين يومي الأوّل والثّاني من أغسطس 2008م. وقد وقعنا على الحلقة الثّانية (2/8/2008م) دون أن نظفر بالحلقة الأولى (1/8/2008م) ما جهدنا في ذلك. وفي الظّنّ أنّ ما نُسب إلى السّيّد رئيس الجمهوريّة قد ورد في الحلقة الأولى. وملخّص الشّائعة التي قادت إلى تظاهرات الهوسا يعود إلى ما فُهم على أنّه تعريض بسودانيّة الهوسا وذلك استناداً على إشارة السّيّد رئيس الجمهوريّة لقبيلة الهوسا السّودانيّة بوصفها وافدة، وذلك في معرض دفاعه عن الحكومة وتبرئة ذمّتها من استقدام إحدى القابئل العربيّة المتّهمة بتقتيل المدنيّين من تشاد إلى دارفور بحجّة أنّ حدود السّودان مفتوحة أمام تحرّكات القبائل الحدوديّة.

ولكن ما يهمّنا فيما قال به بروفيسور أبو منقة يتجاوز احتجاجه المستحقّ ودفاعه الشّجاع عن سودانيّة الهوسا إلى موضوع آخر ذكره في معرض نعيه على طبقتي العامّة والمثقّفة السّودانيّة التي لا تزال تعشّش في أدمغتها مثل هذه الأفكار البالية. إقرأوا معنا ما قال به أبو منقة: "فهذا يشير إلى أنّ هؤلاء العامّة والمثقّفين لم يسمعوا بالسّياسة السّكّانيّة الجديدة التي تعمل الدّولة على بلورتها. ففي اللقاء التّفاكري حول الهويّة السّودانيّة الذي نظّمه جهاز التّخطيط الإستراتيجي بالتّعاون مع الإدارة العامّة للسّجلّ المدني بدار الشّرطة مساء 7/2/2007م وحضره وزير الدّاخليّة البروفيسور الزّبير بشير طه (وكنتُ مبتدراً للنّقاش فيه)، كان الإجماع فيه أنّ عدد سكّان السّودان حاليّاً لا يتناسب مع ضخامة موارده، حيث يعتبر السّودان الدّولة الحادية عشرة في العالم من حيث الموارد. لذلك لا بدّ من العمل على زيادة السّكّان عن طريق فتح باب الهجرة. وكانت التّوصية أن يُراعى في المهاجرين قدراً من التّشابه مع المجتمع السّوداني القائم من حيث الدّين والقيم والسّلوك، حفاظاً على قيمنا وتراثنا. ولم تحدّد جهة معيّنة يُستقطب منها المهاجرون. فإذا كان الأمر كذلك، فيصبح من باب أولى الاحتفاظ بالمواطنين الموجودين أصلاً قبل الحديث عن المهاجرين الجدد".

ويكشف لنا هذا القول عدّة أشياء خطيرة، أوّلها أنّ خطّة تغيير الخريطة الدّيموغرافيّة للسّودان، والتي تقوم على مبدأ الإحلال والإبدال، ليست سوى سياسة معتمدة من قبل الدّولة. فها هي نفس السّياسة تُتّبع في ظلّ إدارة الوزير الذي خلف الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين على وزارة الدّاخليّة، ألا وهو البروفيسور الزّبير بشير طه (المدير الأسبق لجامعة الخرطوم). وممّا يؤكّد هذا أنّ اللقاء التّفاكري المشار إليه أعلاه قد جرى تنظيمه من قبل جهاز التّخطيط الإستراتيجي. ولا نغادر موقفنا هذا دون أن نُشير إلى المنهج المريض في تحضير هذا اللقاء والذي يقوم على استقدام من تدور حول سودانيّتهم الشّبهات ظلماً وبهتاناً، مثل أبناء الفولاني والهوسا (الذين يمثّلهم البروفيسور أبو منقة)، وذلك لتمرير هذه السّياسات. ومن الواضح أنّ البروفيسور أبو منقة على علم بطويّة القوم وما يخفون، من حيث انعقاد العزم عندهم لاستجلاب المصريّين. فهو يوافقهم في هذا ظنّاً منه أنّه بهذا سوف يكرّس من الاعتراف بسودانيّة أهله. ولكن فات عليه أنّ إنّما يُستخدم كوسيلة لتمرير السّياسات العائبة والمشينة حتّى إذا انكشف الأمر وخاب المسعى، باء بها هو وحده دون غيره. غذ سوف ينظر إليه الآخرون على أنّه من قبيل تأمر من هم مشكوك في سودانيّتهم مع نظام حكمٍ فاسد. وبهذا يزيد من معانة أهله المغلوبين على أمرهم. إقرأوا معي ما يقوله أبو منقة بعد هذا مباشرةً: "أقول هذا الكلام وفي ذهني مقال قرأته في صحيفة الرّأي العام الصّادرة بتاريخ الثّلاثاء الموافق 23 سبانبر 2008م بقلم الأستاذ راشد عبد الرّحيم، يتحدّث فيه عن ضعف الوجود المصري في السّودان مقارنةً مع أعداد المواطنين المنحدرين من بعض البلاد الأخرى. ويختم مقاله بالقول: "المصريّون أولى من غيرهم"، أي أولى بالاستقرار في السّودان. وأقول للأخ راشد إنّ السّودان في الوقت الرّاهن بإمكانة استيعاب المصري وغير المصري، ومرحب بالمصريّين حبابهم عشرة".

أنظروا بالله كيف بلغ بنا الهوان مرحلة أن نتسابق في الانبراش لمصر، لا خوفاً منها ولا حبّاً فيها، بل بُغضاً لأنفسنا وتبرّؤاً منها.

(13)

السّاسة السّودانيّون بين السّيادة الوطنيّة والانبراش لمصر

لاحظ السّودانيّون أنّ هناك حالة من التّراخي الوطني فيما يتعلّق بموضوع السّيادة السّودانيّة، وخاصّة ما يلي نظام الإنقاذ من مسئوليّة بهذا الشّأن، بحكم أنّه الذي يسيطر على مؤسّسة الدّولة. وليس أدلّ على ذلك من اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع التي اتّضح جليّاً الآن أنّها تختصّ بالمصريّين دون السّودانيّين. فأخفّ الموادّ الواردة في الاتّفاقيّة تلك المتعلّقة بحرّيّة السّفر والتّنقّل. إذ في مقدور المصري اليوم أن يدخل السّودان بلا فيزا، بينما لا يستطيع السّوداني الدّخول إلى مصر إلاّ بفيزا، وحتّى الفيزا لا يمكنه الحصول عليها ما لم يثبت قدرته المادّيّة بتقديم سند مالي بآلاف الدّولارات.

ولا يقف هذا التّخاذل في حدّ مسئولي نظام الإنقاذ، بل تعدّاه إلى مواقف العديد ممّن والى نظام الإنقاذ عبر تحالف تكتيكي أم إستراتيجي. من جانب آخر، فيما يتعلّق بالجماعات السّياسيّة المعارضة، لاحظ العديد من النّوبيّين كيف ازورّت الأحزاب التي تقع في خانة المعارضة السيّاسيّة عن تقديم أيّ نقد للدّور المصري، خاصّةً في ليِّه لذراع نظامٍ متضعضع متهاوٍ، تحقيقاً لمكاسب يُحتجُّ بها في المستقبل كحقوق مكتسبة. وكان ممّا أثار قلق السّودانيّين حقيقة أنّ معظم تلك الأحزاب كانت قد قضت أغلب سنِيّ معارضتها لنظام الإنقاذ بمصر، وذلك عندما كانت الأخيرة ترفع لواء معارضة دولة الإنقاذ المتّهمة لديها بتدبير محاولة اغتيال رئيسها حسني مبارك. عندها رفع السّودانيّون السّؤال التّالي: هل تُراها قد شربت أيضاً [أي أحزاب المعارضة المعنيّة] من لبان العمالة المصريّة؟


جلال الدّوقير: أدخلوها بسلامٍ آمنين

من ذلك مثلاً ما نُسب إلى السّيّد جلال الدّين الدّقير (ريم ثروت. 2008. مصر والإمارات وقطر تزرع ٦ ملايين فدان قمح في السودان، صحيفة المصري اليوم، 3/4/22008، متاح عالميّاً على الموقع الإلكتروني:


http://www.almasry-alyoum.com/articl...rticleID=99842


"كشف جلال الدوقير، وزير الصناعة السوداني، تلقي حكومة بلاده عروضاً من مصر وقطر والإمارات، لاستزراع ما يقرب من ستة ملايين فدان قمح. وقال خلال جولة لوزير الاستثمار المصري محمود محيي الدين، في إحدي شركات السكر، علي هامش زيارته للسودان أمس، إن تكلفة استصلاح واستزراع أرض تكفي لإنتاج مليون طن قمح سنوياً لا تتعدي ٢ مليار دولار، مشيراً إلي أن زراعة القمح في السودان بتقنيات حديثة ستصل بسعر الطن إلي نصف ما هو عليه بالأسواق الدولية. وأضاف الدوقير أن مصر تستورد ٦ ملايين طن قمح سنوياً، وتستورد السودان مليوني طن، ويتطلب ذلك زراعة ما بين ٣ - ٤ ملايين فدان لسد العجز في البلدين. وأكد أن السودان في حاجة إلي ٥ آلاف من الفلاحين المصريين لزراعة ملايين الأفدنة في السودان، قائلاً: «إن مصر آتية للسودان شئت أم أبيت»، نظراً لكون السودان الحل لأي مشكلة اختناق لمصر". وطبعاً ثبت لاحقاً أنّ الرّقم (5 آلاف من الفلاّحين المصريّي) ما هو إلاّ خطأ، بقصد أو بدون قصد. إذ جاء في الأخبار وعلى الصّفحات الأولى وبالبنط العريض، حسبما أوردنا أعلاه، أنّ الرّقم المقصود هو 5 ملايين فلاّح مصري ( ورد وبالبونط العريض وفي الصّفحة الأولى من جريدة الصّحافة، العدد 5260 بتاريخ 26/5/2008م: ترتيبات لتوطين 5 ملايين فلاّح مصري بالجزير.). واتّباعاً للتّكتيك الإنقاذي المعروف والمجرّب في خداع المواطنين بإغراقهم بسيل من الأنباء المتعارضة والمتناقضة، قامت السّلطات بعد ذلك بيومين بنفي الخبر، هذا مع أنّ أجهزة الرّقابة الأمنيّة على الصّحف ما كانت لتسمح لمثل ذلك الخبر بالظّهور مطلقاً لو أنّهم أرادوا ذلك.

الغريب في أمر أخبار العلاقة بين مصر والسّودان انسياب تدفّقها عبر الصّحف المصريّة بأكثر ممّا تتدفّق عبر الصّحف السّودانيّة. فبخصوص الخبر أعلاه ورد في جريدة الصّحافة، وفي الصّفحة الأولى، تعليقاً على الخبر: (القاهرة: اتّفاق مع الخرطوم لزراعة مليوني فدّان قمحاً)، تاريخ 26/3/2008م، العدد 5305، ما يلي:

"نفى مسؤول في الولاية الشمالية علم حكومة الولائية باتفاق سوداني مصري أعلن عنه وزير الزراعة المصري أمين اباظة يقضي بإقامة مشروع عملاق مشترك لزراعة مليوني فدان بالقمح، بواقع 1.3 مليون فدان في الأراضي السودانية، و700 ألف فدان بجوار بحيرة ناصر في جنوب مصر. وقال المسؤول الحكومى لـ «الصحافة»: «اٍن وجدت مشاورات بين الحكومة الاتحادية والحكومة المصرية حول هذا الأمر ينبغي ان يكون هناك تنسيق مع وزارة الزراعة بالولاية الشمالية». وفي كلمته إلي مؤتمر «الاقتصاد الزراعي ـ الزراعة المصرية.. الواقع والمأمول» أمس الاول، أكد أباظة أنه يجري حاليا الاتفاق مع الجانب السوداني علي تفعيل مشروع التكامل الزراعي المشترك من خلال ما وصفه بأكبر مشروع زراعي يجمع الدولتين لزراعة المحاصيل الاستراتيجية لتأمين الغذاء للبلدين. وفى شأن ذى صلة، قال وزير التجارة المصرى المهندس رشيد محمد رشيد، الذي يرافق الرئيس حسنى مبارك في زيارته لموسكو إن السودان هي الخيار الأول لتأمين احتياجات مصر من الحبوب. موضحا أن هذا الخيار يتفق مع المنطق الاقتصادي لأن قرب المسافة بين البلدين يجعل تكلفة الوقت والنقل أقل بكثير".

http://www.alsahafa.sd/News_view.aspx?id=46035

فانظروا معي كيف تُنتهك السّيادة الوطنيّة السّودانيّة وعلى صفحات الجرايد المصريّة. فالقوم يا سادتي يقرّرون في مصير بلادنا ونحن آخر من يعلم.


الصّادق المهدي ومشروع الحُقن السّكّانيّة

في يوم السّبت الموافق 22 نوفمبر 2007م أقامت الجمعية الهندسية بدارها بالخرطوم ندوة عن مبادرة حوض النّيل تحدّث فيها عدد من المسئولين والمختصّين والسّياسيّين. من بين السّياسيّين المدعوين كان هناك الصّادق المهدي، حيث سرد بعضاً من المواقف المتعلّقة بسياسة حكومته إبّان الدّيموقراطيّة الثّالثة إزاء مشكلة المياه والسّدود وطنيّاً وإقليميّاً، منتهياً إلى تقديم مجموعة من الحلول للمشاكل العالقة. من بين الحلول التي تطوّع بتقديمها لمشكلة مصر بخصوص استصلاح الأراضي جاء اقتراحه مباغتاً وغريباً لا يشبهه، إذ قال: "بدلاً من أن تقوم مصر باستصلاح الأراضي الصّحراويّة عندها، الحلّ أن تقوم بالزّراعة في الأراضي السّودانيّة" [راجع توثيق مضمون الإفادة في جريدة الوسيط. صفحة النّدوات. الخميس 29/11/2007. العدد 129. صفحة 5].

لقد انزعج السّودانيّون كثيراً من تلك التّصريحات التي صدرت من الصّادق المهدي، وليتهم دروا المنطلقات الرّؤيويّة للصّادق المهدي في هذا الشّأن. ففي الحقيقة لم تكن تلك التّصريحات قد صدرت في لحظة مناورة سياسيّة. إذ يقول الصّادق المهدي في كتابه مياه النّيل: الوعد والوعيد، إصدارات مركز الأهرام للتّرجمة والنّشر، 2000، صفحة 126، تحت العنوان الجانبي (الخريطة السّكّانيّة) ما يلي (ورد كلامه في عدّة فقرات بطريقة كلّ جملة في فقرة واحدة؛ من جانبنا لن نتقيّد في الاقتباس بهذا النّظام: "الخريطة السّكّانيّة الحاليّة للسّودان معيبة. فتوفير الخدمات ومطالب التّنمية يوجب ترشيداً سكّانيّاً يجمع القرى المشتّتة وعددها حوالي 65 ألف قرية في قرى أكبر. كذلك الخريطة الاستثماريّة في السّودان تحتاج لمراجعة أساسيّة. الخريطة السّكّانيّة في مصر معتلّة؛ لأنّ كلّ سكّان مصر تقريباً يسكنون في 3% من أراضيها على شريط النّيل وفي الدّلتا. هنالك محاولات متكرّرة منذ عهد مديريّة التّحرير، والآن الوادي الجديد وتوشكي، للخروج من المواقع السّكّانيّة المعهودة والانتشار السّكّاني ـ في حركة هي عكس الحالة السّودانيّة تماماً. الخريطة السّكّانيّة الجديدة في السّودان سوف تظهر الحاجّة لحقن سكّانيّة في مناطق مختلفة في السّودان. إنّ التّفكير في تنظيم هجرة مصريّة للسّودان أكثر جدوى من محاولات تعمير أراضٍ شبه صحراويّة تكلّف مالاً وماءً كثيرا. وإذا عرضت مصر على السّودان في إطار العلاقة الخاصّة هجرة بشريّة مصحوبة بغطاء مائي واستثماري فهذا عرض لا يُرفض. كذلك إذا عرض السّودان على مصر أرضاً خصبة في أماكن صالحة للعمران، على أن تُهرع إليها أيدي عاملة مهاجرة تصحبها إمكانات استثماريّة ومائيّة فإنّه عرض لا يُرفض".

والآن قارنوا معي تساهل الصّادق المهدي بخصوص استيطان المصريّين بشمال السّودان مقابل تشدّد آخر يتعلّق بالأرض والسّيادة الوطنيّة. ففي معرض نقلها لوقائع الجلسة الافتتاحيّة لمؤتمر حزب الأمّة بالجزيرة، ذكرت جريدة الوطن، الأحد 30/3/2008م، العدد 1742، الصّفحة الأولى: عنوان: "المهدي: ضمّ النّيل الأزرق لإثيوبيا تعدٍّ على الخطوط الحمراء"، صفحة 3: ”... واصفاً مناداة البعض في السّلطة بضمّ النّيل الأزرق لإثيوبيا، والشّرق لإريتريا، ودارفور لتشاد، بأنّه تعدٍّ على الخطوط الحمراء". وعلى ما في هذا القول من خطورة بحسبان جدّيّة هذه المزاعم لدرجة أن يقوم بالتّعليق عليها رئيس الحزب عند افتتاح مؤتمره، وهو المؤتمر الذي غلبت فيه تشديدات رئيس الحزب نفسه على ضرورة مواصلة الحوار والتّفاوض مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم، غابت هذه الجزئيّة في التّغطية التي قامت بها جريدة صوت الأمّة (لسان حال حزب الأمّة) 30/3/2008م، العدد97، لنفس الحدث. فكلّ ما نجده في تلك التّغطية فيما يمكن أن يكون له أوهى واشجة فيما نحن بصدده الآتي في تقرير مراسل الصّحيفة محمّد عبدالله (ود مدني) بالصّفحة الأولى تحت عنوان "المهدي: حريصون على مصلحة الوطن ولا نريد الصّيد في الماء العكر": "وأبان المهدي أنّ هناك عوامل عديدة دفعته للمناداة بالتّراضي الوطني تتمثّل في تعثّر اتّفاقيّات السّلام التي أدّت للمشادّة حتّى داخل القصر الجمهوري، علاوة على مشكلة دارفور وتعدّي بعض السّياسيّين للخطوط الحمراء بدعوتهم لتجزئة السّودان". إذن فالصّادق المهدي يقف، وبكلّ حزم، ضدّ تشظّي السّودان إلى دويلات طالما جاء هذا التّشظّي في جهات أخرى بخلاف شمال السّودان، والذي لا يهمّه في كثيرٍ أو قليل أن يذهب إلى مصر المؤمّنة.

تكريم السّودان لمصر وذلك لتفوّقها عليه

وفي النّهاية بلغ الأمر أن قام رئيس الجمهوريّة بتكريم الفريق القومي لكرة القدم، وذلك عقب فوزه ببطولة كأس أفريقيا لدورة 2008م، فمنحهم التّهنئية مشفوعة بالمال والهدايا الرّئاسيّة. وهذه كانت نفس البطولة التي خسر فيها الفريق القومي السّوداني أمام مصر وغيرها من الفرق الأفريقيّة. في سياقٍ كهذا يجيء مثل هذا التّكريم ومثل هذه التّهنئة الرّئاسيّة للفريق المصري لا لفوزه فحسب، بل لتفوّقه على الفريق السّوداني ضمن الفرق التي تفوّق عليها.

فما الذي يدفع بنا إلى مثل هذه السّلوكيّات التي يسمّيها المصريّون "مسخ الجوخ" والتي لا تدفع بالمرء إلى احترام من يجترحها، رئيساً كان أم وزيراً أم خفيرا. لماذا كلّ هذا الانبراش، خاصّةً وأنّه لن يكسبنا احترام المصريّين أنفسهم قبل أن نخسر احترامنا ولأنفسنا واحترام غيرنا لنا؟


منهجيّة التّصريحات المنبريّة والكتابات المندفعة

في الحقيقة صدرت أكثر من تصريحات من هذا النّوع (إعطاء مصر حقّ الاستيطان في شمال السّودان) من العديد من السّياسيّين السّودانيّين الذين يقفون في خانة معارضة نظام الإنقاذ. من ذلك مثلاً ما قاله الشّهيد جون قرنق في ندوة مشهودة بالقاهرة من أنّ حدود السّودان لا تقف شمالاً إلاّ في البحر الأبيض المتوسّط. وقد بلغ الانفعال بأحمد السّيد حمد، أحد قياديي الحزب الاتّحادي الدّيموقراطي، أن وقف وأعلن بدوره أنّه قد أصبح للتّوّ من أشدّ المتحمّسين لخطاب السّودان الجديد. وكذلك نُقل قول مماثل لحسن التّرابي، وذلك بعيد محاولة اغتيال حسني ومبارك، وفي سبيل تحسين علاقات السّودان مع مصر، مقابل اشتطاط إنقاذي آخر رفع شعار تحرير حلايب. فقد قال التّرابي أواسط تسعينات القرن المنصرة ما معناه أنّ حدود مصر في السّودان تقف عند نمولي، بينما تقف حدود السّودان في مصر عند الإسكندريّة. وقد قصد شيخ التّرابي من ذلك صرف هوجاء الإنقاذ من استعداء مصر في الوقت الذي يخوض النّظام حرباً شعواء ضدّ الحركة الشّعبيّة. وفي ندوة بالقاهرة منتصف عام 2008م، تحدّث باقان أموم، الأمين العام للحركة الشّعبيّة، عن رحابة جغرافيّة وسياسيّة بالسّودان تسع أهله والمصريّين معاً. ثمّ من ذلك ما قالته لي في حديثٍ شخصي الأستاذة سعاد إبراهيم أحمد (عضو اللجنة المركزيّة للحزب الشّيوعي السّوداني) غداة إصدار مجموعة العمل النّوبي لمذكّرتها المعنونة إلى كوفي عنان في أبريل من عام 2004م من أنّنا [تعني السّودانيّين بوجهٍ عام والنّوبيّين بوجهٍ خاص] "لم نطرد الفلاّتة، فلماذا نطرد المصريّين؟".

إزاء كلّ هذا ينهض السّؤال في منهجيّة اعتماد مثل هذه التّصريحات والأقوال التي تُقال في سياقات خاصّة، وتفسيرها خارج ذلك السّياق. هل فعلاً يجوز لنا أن نقبل بمثل هذه التّصريحات اساساً للحكم على من قالوها، لنحاكمهم في وطنيّتهم وحرصهم على السّودان؟ هذا سؤال وجيه ومقبول. لكن في الجانب الآخر، يثور أكثر من سؤال يتعلّق بالمسئوليّة الأخلاقيّة والسّياسيّة في إطلاق القول على عواهنه في سياق حسّاس مثل العلاقات المصريّة السّودانيّة. فإزاء هذا الكمّ الكبير نسبيّاً من الأقوال والتّصريحات المجّانيّة من قبل المسئولين السّياسيّين السّودانيّين، والتي تصبّ جميعها في مصلحة مصر، نكاد لا نلحظ أيّ تصريح مصري يتهاون في مسألة تبعيّة حلايب لمصر، أو ما شابه. الشّيء الآخر والأهمّ هو أنّ سياسيّينا لا يبدو أنّهم يكتفون بإلقاء القول على عواهنه، بل يتبعونه بالعمل. فموضوع الحوض النّوبي، فيما أوردنا من وثائق بدأ كما لو كان كلام مجاملات من بعض المسئولين السّودانيّين. ولكن ها هو قد أصبح واقعاً معاشاً وتهديداً مباشراً لسيادة السّودان على أراضيه.

ولهذا، في رأينا، تنطوي هذه التّصريحات والكتابات، أوردت من جلال الدّقير (وفي الرّواية المصريّة "الدوقير")، أم وردت من مسألة الصّادق المهدي (ومن لفّ لفّهما من باقي سياسيّي السّودان القديم الذين يقعون في خانة المعارضين لنظام الإنقاذ) على العديد من المخاطر، أقلّها أنّ مشكلة استيطان الفلاّحين المصريّين في السّودان تحت العديد من الدّعاوى، ربّما لا تنتهي بنهاية النّظام الحالي.

(14)

مذبحة ميدان مصطّفى محمود

صورة السّوداني في الشّارع العربي عامّة والمصري خاصّة

صورة السّوداني في الذّهنيّة العربيّة بعامّةٍ والمصري بخاصّةٍ لا تخرج عن تداعيات ثقافة الرّق وارتباطها باللون الأسود. بالطّبع لن نعدم من يغالطنا في هذا، مثلما لا يعدم النّاس من يغالطهم في ضوء الشّمس رأدَ الضّحى. ودون الدّخول في مماحكات ومغالطات دعوني أحكي لكم هذه القصّة قبل الدخول في تفاصيل ما نحن بصدده: في صباح يوم 26 فبراير 2008م بثّت إحدى قنوات LBC اللبنانيّة برنامج مسابقات على الهواء عبارة عن أسئلة على الجمهور أن يجيب عليها بالهاتف. أحد تلك الأسئلة كان على النّحو التّالي: "مدينة حمراء؛ أسوارُها خضراء؛ سكّانُها عبيد [كذا]؛ مفتاحُها حديد". بالطّبع لا تحتاج الإجابة على هذا اللغز إلى عبقريّة، فالمقصود هنا "البطّيخ". لكن لاحظوا كيف ينظر العرب بكلّ بساطة إلى كلّ ما هو أسود باعتباره عبداً، وبالطّبع هذه هي صورة السّودانيّين عندهم مهما ارتفعت عقيرة البعض بالمكابرة. الطّريف في الأمر أنّ هذا البرنامج بُثّ في اليوم الذي يسبق، وربّما في قناة أخرى، وفيه وردت الإجابة التّالية في إحدى المكالمات: "الصّومال"؛ وفي إجابة أخرى: "السّودان". فتصوّر!

إذن، بعد هذا، دعونا يا سادتي نرى صورة من صور الإخاء الأزلي بين شعبي وادي النّيل، ثمّ دعونا نرى كيف استثمرت مصر مآسي السّودانيّين، متّخذين من مجزرة ميدان مصطفى محمود للاجئين السّودانيّين بالقاهرة التي جرت على عتبة مباني الأمم المتحّدة للاجئين، أمام عدسات الإعلام العالمي، وذلك صبيحة 30/12/2005م، أي قبل يوم واحد من الذّكرى الثّامنة والأربعين لاستقلال السّودان، نموذجاً؛ ثمّ لنتعرّف على الدّوافع الخفيّة وراء تلك المجزرة الشّنعاء.


القاهرة في تسعينات القرن العشرين: أكبر شرك لصيد السّودانيّين

ما بين عامي 1990م و1995م توافد إلى مصر ما يفوق الخمسة ملايين مواطن سوداني (على أقلّ تقدير وفق العديد من المزاعم المصريّة الرّسميّة)، جميعهم فرّوا من نير القهر والاضطهاد. ما دفع بهذه الملايين إلى مصر عدّة أسباب، أضعفها كان دعاوى الإخاء والعلاقات الأزليّة التي لم يكن من الممكن لهؤلاء اللاجئين أن ينخدعوا بها. إلاّ أنّهم جميعاً، وعلى رأسهم قادة العمل السّياسي المعارض، كانوا في الواقع قد وقعوا في شرك نصبه لهم المصريّون. فمصر حينها لم تكن بها فرص عمل تستوعب المصريّين، ناهيك عن توافد مثل هذا العدد، فضلاً عن عدم قانونيّة تشغيل الأجانب بها. في نفس الوقت لم يكن النّظام المصري يقدّم أيّ إعانات للاّجئين. إذن، أوّلاً، ما الذي دفع بهؤلاء إلى التّوجّه إلى مصر؟ ثمّ، ثانياً، لماذا فتح النّّظام المصري أبوابه لأيّ عدد من السّودانيّين؟

الإجابة على السّؤال الأوّل تكمن في أنّ الشّعب السّوداني حينها كان يعيش في معتقل كبير حدوده بحدود السّودان. فجانباً عن المطاردة الشّرسة والمجّانيّة التي كان النّظام يوليها لعامّة المواطنين اعتقالاً وتعذيباً، وذلك بعد تشريدهم من أعمالهم تحت دعاوى الإحالة للصّالح العام [كذا!]، قفلت السّفارات الأجنبيّة، الغربيّة والعربيّة منها خاصّةً، أبوابها أمام السّودانيّين لسابق معرفتهم بأنّ مثل أحوال السّودان هذه ستنجم عنها ظاهرة لجوء سياسي قد تنوء بمصاريفها بلادهم، أللهمّ إلاّ مصر التي فتحت أبوابها لهم. ولأنّه ما كان ليدور في ذهن أيّ واحدٍ من أولئك أنّ هناك وضعاً يمكن أن يكون أسوأ من الوضع بالسّودان، شرع كلّ من ضاق به المقام بالرّحيل إلى مصر كمحطّة وسيطة ريثما ينطلقوا منها إلى المجهول والذي في كلّ الأحوال لن يكون أسوأ من المعلوم.

أمّا فيما يخصّ الإجابة على السّؤال الثّاني، وهو لماذا فتحت مصر أبوابها لهذا العدد المليوني إذا لم يكن في مقدورها ولا في نيّتها تقديم أيّ مساعدة لهم، فيكشف عن الدرك السّحيق الذي يمكن للنّظام المصري أن يصل إليه في استغلال مآسي السّودانيّين. فبمجرّد وصول السّوداني إلى مصر كان يكتشف أنّه كمن هرب من الأسد ليقع في أحضان التّمساح، أي كالمستجير من الرّمضاء بالنّار. فمصر اتّضح أنّها عبارة عن سجن كبير، بل أكثر من ذلك، اتّضح لجموع السّودانيّين أنّ الخروج من مصر إلى رحابة العالم دونه خرط القتاد. فمصر (الشقيقة) كانت قد أجرت العديد من البروتوكولات الدّبلوماسيّة مع جميع السّفارات الأجنبية المعتمدة لديها للحيلولة دون منح السّودانيّين أيّ تأشيرة خروج منها، بحجّة أنّ ذلك سيدفع بأضعاف العدد الحالي للقدوم إلى مصر. تلك كانت حجّة وجيهة بالنّظر إلى الهجمة المليونية للاجئين السّودانيّين. ثم اكتشف السّودانيّون أنّه محكوم عليهم أن يظلّوا عاطلين عن العمل، ليس لقلّته فحسب، بل لتشديد النّظام المصري ضدّ كلّ من يخدّم السّودانيّين. إذن من أين لملايين السّودانيّين أن يأكلوا ويشربوا ويسكنوا؟

هنا لم يجد أفراد هذا الشعب المهجور غير أن يتّصل كلّ واحد منهم بأقاربه في دول البترول أو في الدّول الغربيّة لإرسال بعض المال ريثما يتدبّرون أمرهم. وهكذا بدأت تحويلات السّودانيّين تتدفّق على مصر، واستمرّت لأعوام وليس لفترة قصيرة كما كان يظنّ اللاجئون، وذلك لسبب بسيط، إذ لم يكن للمشكلة حلّ. هذا هو السّبب وراء فتح مصر لأبوابها، وهو أمر خطّط له النّظام المصري بدقّة. فيما بين الأعوام 1996م ـ 1999م فاقت تحويلات السّودانيّين ما تدرّه قناة السّويس للخزينة المصريّة. ليس هذا فحسب، بل كان المواطن السّوداني يمرّ بسلسلة من المماطلات المهينة على يد البنوك المصريّة عندما يُخطره ذووه بأنّ المبلغ قد تمّ تحويله على البنك كذا عن طريق الفاكس رقم كذا ... إلخ. بالاستفسار عن المبلغ درجت البنوك على نفي أن تكون التّحويلة قد وصلت (لاحظ أنها بالفاكس، أي أنها فوريّة التّحويل والصّرف). وهكذا تستمرّ المماطلة لأكثر من شهر وأحياناً لشهرين، وهناك كثيرون غادروا القاهرة دون أن يتمكّنوا من صرف الحوالات الماليّة التي أرسلها لهم ذووهم. استمرّ هذا الحال لأكثر من عشرة سنين حتّى ضجّ السّودانيّون بالشّكوى ولا من مغيث. ثمّ أخيراً انتبهت مؤسّسات حقوق الإنسان لشرك "العبيد" الذي نصبه النّظام المصري بيعاً وشراءً للسّودانيّين واستثماراً لمأساتهم الوطنيّة لقاء دراهم من مال السّحت الذي ظلّت الدّولة المصريّة لأكثر من عشرة أعوام ترضع من لبانه. وبهذا شرعت وكالة الأمم المتّحدة للاّجئين في إعادة توطين هؤلاء السودانيّين في العديد من أقطار العالم، وهو الأمر الذي خُتمت فصوله بمأساة مذبحة القاهرة عشيّة عيد الاستقلال 30/12/2005م لجموع اللاّجئين السّودانيّين العزّل.

هؤلاء هم اللاجئون الذي سُحلوا على عتبات المؤسّسة الدّوليّة أمام عدسات الإعلام العالمي، وهم الذين رفضت مفوّضيّة الأمم المتّحدة للاجئين بالقاهرة النّظر في طلبات إعادة توطينهم بحجّة أنّ السّلام قد عمّ السّودان، وذلك بعيد التّوقيع على اتّفاقيّة نيفاشا من نفس العام. وبالطّبع كلّ العالم يعلم بأنّ اتّفاقيّة نيفاشا لم تفشل في إيقاف الحرب الأهليّة في السّودان فحسب، بل حتّى في الجنوب لا تعدو الاتّفاقيّة كونها وقفاً مهزوزاً لإطلاق النّار. فبعد عامين على التّوقيع ذهب سلفا كير إلى أبعد من اتّهام المؤتمر الوطني بعرقلة السّلام إلى التّحذير من عودة الحرب مرّة أخرى [جريدة الأحداث. 11/9/2007. العدد 2. الصّفحة الأولى]؛ وجميعُنا يعلم ما جرى من قبل عندما علّقت الحركة الشّعبيّة مشاركتها في الحكومة وانسحبت إلى الجنوب؛ كما جميعنا يعلم ما قاله باقان أموم (الأمين العام للحركة الشّعبيّة) من أنّ السّودان دولة فاشلة وفاسدة، وطبعاً يقصد دولة نظام الإنقاذ.

لكلّ هذا كان من الطّبيعي والمنطقي أن يُطالب هؤلاء اللاجئون بالنّظر في طلبات إعادة توطينهم، ولهذا قاموا بالاعتصام أمام مبنى المفوّضيّة بحيّ المعادي بالقاهرة، متّخذين من حديقة عامّة مجاورة معسكراً مفتوحاً. وقد استمر الاعتصام لأكثر من ثلاثة شهور.

(15)

المذبحة

قتّلونا رُكّعاً وسُجّدا

في حوالي السّاعة الثّالثة صباحاً من فجر 30/12/2005م أحاطت قوّات غفيرة من الجيش والبوليس المصري جموع اللاجئين السّودانيّين المعسكرين والمعتصمين بجوار مبنى مفوّضيّة الأمم المتّحدة للاجئين في حي المهندسين بالقاهرة. اتّخذت القوّات التي فاق عددها 10 ألف جندي مواقع استحكاميّة حول الخيام المضروبة من الورق والملابس والحصائر، في ميدان مصطفى محمود بإزاء مبنى مفوّضيّة اللاجئين. في حوالي الثّالثة والنّصف صباحاً شرعت القوّات بتوجيه خراطيم المياه نحو جموع اللاجئين الذين (ممثّلين في لجنتهم المنتخبة) فشلوا تماماً في الحصول على أيّ معلومة بخصوص ما تنوي هذه القوّات عمله. بعد ذلك بدقائق أمطرت القوّات المحاصرة جموع اللاجئين بوابلٍ من المياه ذات الدّفع الشّديد، حتّى إنّها لتصرع الرّجال مكتملي النّموّ، فتُلقيهم أرضاً ثمّ تُدحرجهم كما لو كانوا أعجاز نخلٍ خاوية. عندها شرعت جموع اللاجئين برجالهم ونسائهم وأطفالهم ـ مسلمين ومسيحيّين ـ في التّكبير والصّلاة، لو أنّ ذلك سيُرقّق قلب الفرعون، فلا يسومهم سوء العذاب ـ ولكن هيهات! ثمّ إن هي إلاّ دقائق، وقد انفرط عقد القوم المساكين، وتشتّتوا في ساحة الميدان كما لو كانوا حُمُراً مستنفرة. عندها هجمت عليهم قوّات البشبوزوق، التي ربّما أعطاها الله كلَّ شيء، إلاّ الرّحمة والحكمة. وكانت المذبحة!

بخصوص هذه المذبحة نشير إلى جملة حقائق تترتّب عليها نتائج جدُّ خطيرة. أولها أنّ هؤلاء الناس كانوا حينها مسجّلين لدى وكالة الأمم المتّحدة لغوث اللاجئين، الأمر الذي يضعهم تحت حمايتها المباشرة. ومع هذا ذُبح هؤلاء العزّل وسُحِلُوا وهم على أعتاب باب المؤسّسة الدّوليّة، وأمام كاميرات وكالات الأنباء العالميّة. النّقطة الثّانية، بلغ عدد الوفيّات الناجم عن تلك الهجمة البربرية لقوات الباشبوزوق والعساكر الإنكشارية في آخر إحصائيّة حرّرتها اللجنة المنبثقة عن اللاجئين نفسهم، وذلك للعديد من مواقع الإنترنت السّودانيّة والدّوليّة المعنيّة بالشّأن السّوداني، 285 حالة وفاة، وليس 26 حالة كما صّرحت بذلك السّلطات المصرية. هذا بناءً على الإحصاءات الواردة ممّن تبقّى من لجنة اللاجئين المعتصمين والتي ظلّت تعمل في ظلّ ظروف لا يعلم بها غير الله، وهي اللجنة التي أهملتها، ليس فقط حكومتا مصر والسّودان، بل الأمم المتّحدة نفسها.

النّقطة الثّالثة، كان هناك تنسيق تام بين النّظام المصري ورصيفه السّوداني، بشأن المذبحة. تؤكّد هذا تصريحات المسئولين المصرييّن للصّحفيّين الذين أفادوا أنّ فض الاعتصام بهذه الطريقة قد تمّ بموافقة النظام في الخرطوم دون أن ينفي نظام الخرطوم ذلك. وفي الحقّ فإنّ إفادة أو نفي هذا المسئول أو خلافه بهذا الشأن ليست بذات بال، ذلك لأنّ مجرّد تأييد النظام في الخرطوم لما فعلته الكلاب البوليسيّة المصريّة يكفي دليلاً ليس على تواطئه فحسب، بل على مشاركته في التخطيط للمجزرة. وتفيد العديد من المصادر المطّلعة في مصر بأنّ التوجيهات كانت محدّدة، وهي توجيه الضربات على الرأس، على غرار "العبد أدّيهو في راسو". وفي سبيل إجبار النّساء اللائي حَمَيْن رؤوسهنّ بأيديهنّ، بلغت النزالة بكلاب الباشبوزوق وقوّات الدفتردار الانتقامية درجة التّجرّؤ على رفع فساتين النّساء حتّى إذا ما أنزلت المرأة يديها عن رأسها لا إراديّاً لستر جسدها انهالوا ضرباً على رأسها. كلّ هذا تمّ تحت أعين وكالات الأنباء العالمية، فتصوّروا! لقد قتلوا الناس وهم يصلّون، مسلمين ونصارى، كما قُتل أصحاب الأخدود، أولئك بالنار وهؤلاء بالماء والهراوات. ثمّ داسوهم بالأقدام في الرّغام والطين والوحل وهم بين برزخ الحياة والموت.

ثمّ ساقوا الناس كالخراف والماعز، منهم من جُرّ من يديه، ومنهم من جُرّ من قدميه، ومنهم من جُرّ من أذنيه، ومنهم من دُفع من الخلف باللكمات والسّياط كالحمير، ومنهم من جُرّ بقدميه وهو ميّت. فساقوهم إلى معسكرات لم تُهيّأ لاستقبال البهائم، فرموهم بها والواحد منهم ينزف بجسده فلا يأبه لذلك إذ يهمّه نزيف الفؤاد المفطور على زوجةٍ غائبة أو طفلٍ مفقود، أو صديقٍ تركه مجندلاً في الوحل. ثمّ ساقوهم للمستشفيات، لا لعلاجهم بل لقتلهم تحت التخدير ثم سرقة أعضائهم الداخلية. ومنهم من فاق من التخدير، فتركوه ينزف حتى نزلت عليه رحمة الله وسكينة الموت ففارقته الحياة. فيما بعد تكدّست أقسام الموتى بالعديد من المستشفيات وهي تضمّ في ثلاّجاتها، كلٍّ على حدة، أعداداً تراوحت ما بين 60 إلى 80 قتيلاً. ومع كلّ هذا لا تزال السّلطات بمصر والسّودان تُصرّ على أنّ العدد الكلّي للضحايا هو 26 فقط. وحتّى لا ينكشف الرقم الحقيقي واصلت السّلطات المصريّة في رفضها السّماح لأهل وذوي القتلى بنقل الجثامين ودفنها في السّودان.

لكن السّؤال الذي يفرض نفسه هنا هو لماذا غيّرت السّلطات المصريّة من سياسة استضافة اللاجئين السودانيّين إذا كان ذلك يدرّ عليها كلّ تلك الأموال الطّائلة؟ الإجابة تكشف عن بعدٍ آخر للانحطاط المصري الرّسمي. فمن تبقَّوا من اللاجئين السودانيين كانوا في الواقع من فقراء الفقراء ومُعدَمي المُعدمين الذين ليس لهم أحد يرسل لهم بدرةً من المال، فتقطّعت بهم السّبل في مصر إذ خذلتهم مفوّضية اللاجئين. هؤلاء هم فعلاً ملحُ الأرض وسمادُها، منها وإليها، في الرّغام والوحل والطّين، وعلى الأسفلت، وعلى طاولة المشرحة، وهائمين في الطُّرُقات بلا مالٍ أو أوراقٍ ثبوتيّة، أي بلا هويّة. ثمّ بعد كل هذا يتحدّث بعض السّفهاء عن العلاقات الأزليّة والإخاء.

فهل هذا كلّ شيء؟ لا، يا سادتي! فقد جاء في الأنباء أنّ الأمم المتّحدة تُطالب مصر بإعادة فتح التّحقيق في أحداث المنهدسين، هذا بينما مصر ترفض ذلك [جريدة الايّام، الصّفحة الأولى، الإثنين 30 أبريل 2007 الموافق 12 ربيخ الثّاني 1428هـ (عدد 8792)]. وقد نجد لمصر العذر في رفضها، وهذا لعمري نوع العذر الذي قالوا فيه إنّه أقبح من الذّنب. ولكن هو عذرٌ على أيّ حال، فمثل هذا التّحقيق قد يكشف أشياء لا يمكن أن يقبل بها أحد أقدم الأنظمة المركزيّة الدّيكتاتوريّة في تاريخ البشريّة. لكن، يا سادتي، ما بال حكومة السّودان ترفض بدورها إعادة فتح التّحقيق مع مصر ـ وليس معها ـ في أحداث المهندسين. فقد طالعتنا الأنباء في اليوم التّالي بخبر أنّ السّودان يدعم موقف مصر الرّافض لإعادة التّحقيق في أحداث المهندسين [جريدة ألوان، الصّفحة الأولى، الثّلاثاء 1 مايو 2007 الموافق 13 ربيع الثّاني 1428هـ (عدد 3851)؛ جريدة آخر لحظة، عدد 274، الثّلاثاء 1/5/2007م الموافق 13 ربيع الثّاني 1428هـ، الصّفحة 3].

هذا يا سادتي نتركه بلا تعليق، إذ لا نعرف وجهاً غير جارحٍ للغة يمكن أن يستخدم في وصف مثل هذا السّلوك.

لمراجعة أزمة ومعاناة اللاجئين السّودانيّين بمصر وكيف تبتزّهم الظّروف القاسية فيقعون ضحايا لعصابات بيع الأعضاء البشريّة، يرجى مراجعة الرّابط التّالي في بوست الدّكتور بكري الصّايغ بتاريخ 2/10/2008م:

http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=180&msg=1222982813

ولكن هل انتهت القضيّة عند هذا الحدّ؟ لا والله، بل تفاقمت إلى درجة عاودت بها إلى الصّعود في سلالم الإعلام محلّيّاً وإقليميّاً وعالميّاً. إذ كيف لجرحٍ أن يندمل وهو لا يزال ينزف؟


مصر أرحم لنا من السّودان، وإسرائيل أرحم لنا من مصر

أخيراً لم يجد بقايا اللاجئين بمصر بدّاً من أن يجأوا إلى من كان ينظرون إليه على أنّه ألدّ عدوٍّ بهم وللبشريّة جمعاء: إسرائيل! لقد هرب هؤلاء اللاجئون من نار الحرب الأهليّة بالسّودان إلى مصر ظنّاً منهم أنّ مصر مؤمّنة بأهلها وبمن فيها من أولياء، مسلمين ومسيحيّين. ولكنّهم كانوا في الواقع كمن هرب من الأسد ليقع في حضن التّمساح. هربوا من القتل المجّاني الذي مارسته عليهم دولتُهم تحت ستر الظّلام وظلال الغابات الكثيفة، لتقوم مصر بتقتيلهم مجّاناً وأمام عدسات الإعلام العالميّة. هربوا من الذّلّ النّاجم عن عودة مؤسّسة الرّق في بلادهم، فإذا بمصر تبيعهم في سوق النّخاسة السّياسيّة بثمنٍ بخس لا يساوي أكثر من الرّصاصة التي وجّهتها إلى صدورهم وهم يصلّون ويدعون اللهَ ليرحمهم. وعندما انغلقت عليهم أبواب الرّحمة ابتلاءً، ولم يبقَ لهم في سبيل التّخلّص من التّمساح غير العودة إلى الأسد، إذ أغلقت عليهم مصر أبواب الخروج منها كما فعل فرعون مع شعب موسى، ركبوا اليمَّ والبحر، وتسلّلوا إلى دولة إسرائيل، وما أدراك ما إسرائيل! لقد بلغ بهم اليأس أن كسروا قيود كلّ التّابوهات التي عاشوا فيها منذ قرون وقرون، فاختاروا إسرائيل. ولكنّ مصرَ والسّودانَ لم يقبلا لهم بهذا، إذ وقفت مصر، وبموافقة السّودان، لهم بالمرصاد، تنتاشهم رصاصاتُها الغادرات عند الحدود، حتّى أصبح في حكم العادي أن نقرأ: قتل كذا عدد من اللاجئين السّودانيّين لدى تسلّلهم إلى دولة إسرائيل.


(16)

الحلقة الأخيرة


أشجار الأسئلة الكبرى

هل هناك مؤامرة؟

هل تُرانا نشاهد بأمّ أعيننا السّودان وقد تكالبت عليه دول الاستكبار كما تتكالب الكلابُ على القَصَعة وأهلها نيام، فإذا بحاميها، حراميها؟ فإذا كان جنوب السّودان قد أصبح في حكم المنفصل، وما هي إلاّ مسألة وقت؛ وها هي جبال النّوبة تُشير كلّ الدّلائل على أنّها تنزلق بطريقة منظّمة ومعلومة لهاوية الحرب الأهليّة مرّى أخرى؛ ثمّ ها هي دارفور وقد أحكم عليها الأمريكان الخناق بفضل أفعال هذا النّظام؛ ثمّ ها هو إقليم شرق السّودان المطلّ على البحر الأحمر الذي تتحدّث عنه الخطط الأمريكيّة باعتباره منطقة التّجارة الحرّة القادمة، التي سيجري على أرضها تطبيع العلاقات مع إسرائيل عوضاً عن منطقة الخليج. فالخليج خُطّط له أن يشهد فترة طويلة من الحروب وعدم الاستقرار المتعمّد، خاصّةً بعد شنّ الحرب على إيران. كلّ هذا في إطار ما يعرف بنظام الشّرق الأوسط الجديد الذي يقوم على تفكيك الدّول القطريّة إلى دويلات مشيخيّة (كالخليج حيث لا يغني ثراء الدّولة في حمايتها)، وهو المشروع الذي بدأ بالعراق، ثمّ ها هو يتّجه إلى إيران ومتزامناً معه السّودان، لتعقبهما سوريا، ثمّ السّعوديّة، فمصر ... إلخ. فها هو شمال السّودان وقد تمّ بيعه مقابل أن يغضّ المصريّون الطّرف عن تفكيك السّودان، ثمّ لتوفير الحماية السّياسيّة لنظام الخرطوم المنكمش، وهي لعمري كحماية الذّئب للغنم الرّاعية. يا سادتي، إذا كان هذا ما يحدث فعلاً، فهل هي خطّة عبد الرّحيم حمدي عن مثلّث سنّار ـ دنقلا ـ الأبيّض الذي لا ينبغي للنّظام الحاكم أن يخرج عنه، وذلك باعتبار أنّ ما عداه "مناطق طايرة"؟

وماذا عن دخول القوّات العسكريّة المصريّة إلى أراضي السّودان تحت سمع وبصر، بل ومباركة العالم [راجع "كلمة الأيّام"، جريدة الأيّام، الإثنين 30 أبريل 2007م الموافق 12 ربيع الثّاني 1428هـ، الصّفحة الأولى بعنوان: "الوجود العسكري المصري بدارفور"]؟ فهل هذا التّدخّل (الذي شُكرت عليه مصر وحُمدت من قبل كتبة تلك الكلمة، التي وصفها أكثر من مراقب محلّي بأنّها كلمة رعناء، عديمة الحصافة)، من أجل دارفور، أم من أجل حماية ملايين الفلاّحين المصريّين الذين من المفترض أن يتمّ توطينهم بالحوض النّوبي المتاخم لإقليم دارفور؟ وهل لهذا السّبب يا تُرى جاءت الإشارة إلى أنّ هذه القوّات ستعسكر في شمال دارفور؟


وهل يحيق المكرُ السّيّء إلاّ بأهله؟

تتبادر للذّهن عدّة أسئلة، من قبيل: أيّ نظام حكم هذا الذي تقوده حساباته المغلوطة إلى الاعتقاد بأنّه يمكن أن ينجو بفِعلةٍ نكراء كهذي؟ وكذلم السّؤال التّالي: ما هي الفائدة التي يجنيها أيّ نظام حكمٍ من زراعة الظّلم بشكلّ منظّم ومؤسّس على هذا النّحو؟ ثمّ سؤال ثالث: ألم يكتفِ نظام الخرطوم من الحروب الأهليّة في الشّرق والغرب وجبال النّوبة والأنقسنا، ثمّ من قبل كلّ ذلك في الجنوب، حتّى يتحرّى إشعالها في الشّمال كما لو كان يتحرّى رؤية الشّهر؟

لكن السّؤال الأهمّ في رأينا هو: إذا سلّمنا بأنّ الله تعالى قد منح نظام الخرطوم كلّ شيء، إلاّ أنّه حرمه البصيرة والهداية والرّشاد، فما بالُ النّظام الحاكم في مصر يؤلّب قبائل السّودان ضدّه، وهي ذات القبائل المنقسمة حدوديّاً، الأمر الذي يعطيها هذا الوضع قوّة فوق قوّة النّضال ونُبله لرفع الظّلم عن كاهلها؟ لقد وجّهت مذكّرة مجموعة العمل النّوبي الاتّهام المباشر إلى مصر بأنّها تعمل على ضمّ شمال السّودان ممثّلاً في مثلّث أقطاره تمتدّ من عوينات إلى دنقلا إلى حلايب، وذلك في حال انفصال الجنوب وتمكّن الأمريكان من تفكيك السّودان. فهب أنّها فعلت ذلك، وبموافقة محور الشّر، أمريكا. فكيف تضمن مصر أنّ أمريكا لن تعود بعد ذلك بسنوات تحت دعاوي مناصرة حقوق النّوبيّين والبجا، لتفكيك مصر نفسها؟ وهل تضمن مصر في تلك الحالة ما إذا كانت ستتمكّن من المحافظة على سيادتها على السّدّ العالي؟

وهل تضمن مصر أنّ خطّة تفكيكها إلى دولتين، سوف تقتصر على المناطق المنتزعة من السّودان، أم أنّها ستشمل أيضاً المناطق النّوبيّة كلّها بما في ذلك أسوان، أم أنّ مشروع التّفكيك سوف يمتدّ أعمق من ذلك ليشطر مصر إلى شطرين، جنوبيها أكبر وأغنى من شماليها؟ فمجرّد احتلال مصر لأراضي شمال وشرق السّودان بمباركة أيّ نظام حكمٍ عميل بالخرطوم، لن يكون أمام البجا والنّوبيّين والمناصير والرّباطاب والشّايقيّة والجعليّين إلاّ أن ينظروا للمسألة من زاوية أنّ دولتهم التي كان ينبغي أن ترعى عهدهم قد باعتهم بثمنٍ بخس. في هذه الحالّة لن يقف النّوبيّون بمصر مكتوفي الأيدي، بل تشير كلّ الدّلائل إلى أنّهم سوف يضعون أيديهم فوق أيدي إخوتهم بالسّودان. عندها ستقوم حركة تحرير نبيلة تحتدّ بحدود شمال وشرق السّودان من شندي إلى بورتسودان نزولاً إلى حلايب على البحر الأحمر وأسوان بأدنى النّيل لتتّجه غرباً وصولاً إلى نقطة تقع شمال جبل العوينات عند نقطة الالتقاء مع حدود ليبيا وتشاد. فهل هناك مستقبل لمصر إذا فقدت سيطرتها على نصفها الجنوبي، من البحر الأحمر إلى الحدود الليبيّة، بما في ذلك السّيطرة على السّدّ العالي؟

ذكر اللواء حسام سويلم في سياق مناقشات مؤتمر تناول العلاقات السّودانيّة المصريّة (أنظر: أسامة الغزالي [تحرير]، العلاقات المصريّة السّودانيّة بين الماضي والحاضر، القاهرة: مركز البحوث والدّراسات الإستراتيجيّة، 1990م، ص.ص. 553-554): "هناك وثيقة تسمّى (إستراتيجيّة إسرائيل) في الثّمانينات كتبها أدويد بينون، وهو مستشار الأمن القومي لبيغين حدّد فيها الملامح الأساسيّة لإستراتيجيّة إسرائيل حتّى عام 2000م سنرى بها أين نحن مصر والسّودان منها. المخطّط الأوّل: بلقنة المنطقة، أي تقسيم المنطقة العربيّة إلى دويلات صغيرة على أسس عرقيّة وطائفيّة. فخطط لتقسيم السّعوديّة إلى دولة الأحساء ونجد، وخطط تقسيم لسوريا بتقسيمها إلى مع ضمّ جزء منها لتركيا، وخطط لليبيا والمغرب مع اقتطاع البربر، وخطط لضمّ الأردن لإسرائيل، وتقسيم لبنان إلى كانتونات، وتقسيم مصر إلى أربعة أقسام مع ضمّ سيناء لإسرائيل حتّى ترعة الإسماعيليّة. ووفقاً لذلك فإنّ مصر السّنّيّة المسلمة ممتدّة جنوباً إلى المنيا وشمالاً إلى الإسكندريّة. ومصر القبطيّة تتّخذ من الإسكندريّة عاصمةً لها وتمتدّ عبر الصّحراء الغربيّة. ثمّ تقتطع من مصر النّوبة وتنشأ حتّى الخرطوم دويلة النّوبة، ثمّ تقسيم السّودان قسمين: الشّمال المسلم والجنوب الزّنجي المسيحي".

وهنا تنهض عدّة تساؤلات بخصوص ما تقوم به مصر الآن من خطط لابتلاع شمال السّودان وذلك بتوطين ملايين الفلاّحين المصريّين تحت غطاء الاستثمار. فهل تراها أصبحت ذراعاً لإسرائيل في تنفيذ ذلك المخطّط الجهنّمي، أم تُراها قد اتّبعت قاعدة "بيدي لا بيد عمرو"؟ فالواضح أنّ مصر تعمل الآن بكلّ جدّ للاستفادة من الوضع المتردّي لنظام الإنقاذ الذي أصبح بمثابة بطّة عرجاء، لا هي قادرة على العوم ولا هي قادرة على المشي برشاقة. ومنتهى آمال دولة مصر في الاستفادة من مصائب أهل السّودان يتلخّص في اقتطاع الجزء الشّمالي، من دنقلا شمالاً بتبعيّة سياديّة كاملة، مع استيطان كبير في باقي أقاليم شمال السّودان النّيلي، وفي شرق السّودان بدلتا طوكر والقاش، دونما أيّ تبعيّة سياديّة.


مع بداية جولة المفاوضات بين حركة العدل والمساواة من جانب والحكومة السّودانيّة من جانب آخر، وهي المفاوضات التي رعتها دولة قطر بالدّوحة، صرّح مصطفى عثمان إسماعيل، مستشار رئيس الجمهوريّة، بقوله: "مصر تلعب دوراً أساسيّاً في مفاوضات الدّوحة" (جريدة الرّأي العام، 16/2/2009م، العدد 4091). "الحكومة المصريّة منزعجة جدّاً لنشاطات المدّعي العام لمحكمة الجنايات الدّوليّة". وقد جاء هذا التّصريح كأنّما لا علاقة له بما يجري. إذ ما هي أهمّيّة الدّور المصري في مفاوضات ترعاها الدّوحة، ومصر نفسها ليست على علاقات طيّبة مع قطر؟ وقبلها بيوم، صرّح كلٌّ من أحمد أبو الغيط (وزير الخارجيّة المصري بمعيّة اللواء عمر سليمان مدير المخابرات المصري) لدى لقائهما بالرّئيس عمر البشير بالقول: "مصر تجري اتّصالات مع دول مجلس الأمن لتجميد إجراءات المحكمة الجنائيّة الدّوليّة" (جريدة الأيّام، 15/2/2009م، العدد 9230). مدير المخابرات يقول للصّحفيّين: "نحن نتحرّك وسط أعضاء مجلس الأمن ونسعى لتنفيذ المادّة 16 من القانون الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدّوليّة لتوقيف أيّ إجراءات ضدّ السّودان والرّئيس البشير". والسّؤال هو: لماذا تفعل مصر كلّ هذا، ولماذا تقف في وجه هذه العاصفة؟ منذ متى كانت مصر مبدئيّة في تعاملها مع القضايا السّودانيّة، وهي التي تحتلّ أراضيه وتعمل بكلّ جدّ لتمصير جزء من التّراب السّودان في شماله (مثلّث حلايب على البحر الأحمر ومثلّث سرّة بأعلى حلفا القديمة)؟ هل تريدنا مصر أن نصدّق أنّها سوف تقف ضدّ المجتمع الدّولي وضدّ مجرى العدالة الدّوليّة من أجل سواد عيون السّودانيّين ومن أجل سواد لون بشرتهم؟ إقرأوا معنا ما قاله أحمد البلاّل الطّيّب يكتب في صفحته "نقطة نظام" (جريدة أخبار اليوم، 16/2/2009م، العدد 5160، الصّفحة الأولى) عن لقاء أبي الغيط وعمر سليمان بالرّئيس البشير: "وأفادت المعلومات المؤكّدة التي حصلنا عليها من مصادر شاركت في الاجتماع أنّ رسالة الرّئيس مبارك وأحاديث السّيّدين أبو الغيط واللواء عمر سليمان لم تتضمّن أيّ مطالب أو شروط مصريّة للتّعامل مع المحكمة الجنائيّة الدّوليّة خلافاً لما فسّره ...". تُرى ما هي هذه الشّائعات؟ ولماذا يركّز أحد أبواق نظام الإنقاذ لنفيها دون الخوض فيها؟

كتب أحد أبناء البجا (هاشم نوريت) في موقع سودانيز أون لاين (13/2/2009م) بهذا الخصوص قائلاً:

http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=190&msg=1234490009

"اليوم كشف تلفزيون مصرى فى لقاء مع خبير بترولى مصرى أنّ مصر اتّفقت مع شركات بتروليّة أوروبّيّة لاستخراج البترول ومعادن أخرى فى حلايب. وكشف الخبير أنّ العائق كان أنّ مثل هذه الخطوة قد تضرّ بالعلاقات بين السّودان ومصر، إلاّ أنّ الأخيرة ستعمل على إقناع السّودان فى مقابل تقديمها له خدمات لتأجيل ملاحقة البشير وتهدئة حدّة الصّدام بين السّودان والمجتمع العالمى، مستفيدة فى ذلك بعلاقاتها الطّيّبة مع أوروبّا، وخاصّة زعيمة العالم، أمريكا، مقابل تنازل السّودان عن حلايب، وإغلاق هذا الملف نهائيّاً وعندها ستتمكن مصر من استغلال الموارد الكامنة تحت أرض حلايب. هكذا هى الأخوة بين السودان ومصر الفرعونية يحتلون أرضنا ويستغلون مواردنا وهم بالطّبع يعلمون من أين تؤكل الكتف. فأيّ تنازل عن حلايب لن يكون مقبولاً من السّودانيين الشّرفاء، ولا يهمّنا إن قبض على البشير وزمرته، ولكن حلايب لن يفرّط فيها أيّ سودانى؛ وسعي مصر خائب بإذن الله، وأيّ استغلال لمواردها [حلايب] أمر مرفوض، لأنّ مصر دولة محتلّة، وحلايب أرض سودانيّة خالصة، وإن سكت عنها المؤتمر اللاوطنى.

"قيل إنّ وزير الخارجيّة المصرى سيحضر فى عطلة نهاية الأسبوع للخرطوم خصّيصاً لنزع الموافقة النّهائيّة من الخرطوم للتّنازل عن حلايب، وإيجاد مخرج إعلامى لانسحاب ما تبقّى من جنود سودانيّين من حلايب حتّى تتمكّن مصر من استخراج البترول. وما عُلم أنّ بعضاً من القيادة السّياسيّة السّودانيّة متردّدة من صدى هذا التّنازل وما سيحدثه داخليّاً حيث إنّ أبناء الشّرق لن يسكتوا على مثل هذا التّفريط ممّا سيجعل من يعتقد أنّه الرّابح فى هذه الصّفقة أمام إحراج كبير لدى الشّارع السّودانى. ولكن حتّى المتردّدين من قيادات المؤتمر الوطنى يعقلون مدى عمق المأزق الذى سيدخل فيه السّودان، وخاصّة عمر [البشير]، إذا تمّ إصدار المذكّرة. وما سيزيدهم إحباطاً هو أنّ إذا لم تكن مصر مساندة لهم فلن تمدّ لهم السّعوديّة يد العون. ومصر تعلم حراجة موقفهم، فلذلك ترى أنّ الوقت مناسب، ولن تجد أفضل منه إن هى لم تنتزع من البشير تنازلاً عن حلايب. فهذه فرصة ذهبيّة ربما لن تتكرّر".


وبالطّبع لا يملك أيّ شخص الحقّ في لوم عامّة السّودانيّين إذا ما انتابتهم وعصفت بهم مثل هذه الشّائعات طالما يتكتّم المسئولون في البلدين عن تفاصيل ما يريدونه للعلاقة، ولما يفهمونه من مصطلح التّكامل بيم البلدين. وفي الحقِّ، فقد كان التّلفزيون المصري بعديد قنواته أكثر شفافيّةً فيما يتعلّق بالمخطّطات المصريّة بشأن الاستيطان في السّودان. من ذلك يمكن مراجعة هذه البرامج التي تتعلّق بخطط مصر لزراعة القمح بالسّودان:

http://www.youtube.com/watch?v=BEUzZrPi7iY

أو هذا:

http://www.youtube.com/watch?v=UYnNp_ezHKg&feature=related

أو ما أنزله نبيل حامد عن اللجنة الدّوليّة لإنقاذ النّوبة بموقع يوتيوب:

http://www.youtube.com/watch?v=x0UOZSRqqm8&feature=related

بالطّبع يمكن الدّفع بأنّ البرامج التّلفزيونيّة لا تعبّر بالضّرورة عن سياسات الدّولة. في المقابل يمكن ردّ هذه الحجّة بكون هذه البرامج مقصودة في ذاتها لأنّها تقوم بعمليّة إفقادٍ منظّمة للحساسيّة السّودانيّة الشّعبيّة إزاء المخطّطات التي قد يكون نظاما الحكم في البلدين قد اتّفقا عليها سراً.



Source: www.tahalof.org


رأي ـ تعليق  



هل قرأت المقال اعلاه؟   
اكتب    
 
 
 
 
 
  
site created & hosted by